لبنان: بمفرده! ورغم الصّعاب

كتب Marc Saikali لـ “Ici Beyrouth”:
ما لا يقلّ عن عشرين مليار دولار بين أضرار وخسائر. هذا هو ثمن، على أقلّ تقدير، حربَيْ الإسناد اللّتَيْن خاضهما حزب الله: أوّلًا، لدعم حماس، ثمّ النّظام الإيرانيّ. مليارات كان يمكن، على سبيل المثال، إعادتها إلى المودعين، لكنّ الملالي وأذرعهم اختاروا غير ذلك.
لا يزال من الصّعب إدراك حجم الكارثة الّتي قد لا يستطيع لبنان التّعافي منها، في ظلّ شحّ التّمويل. خصوصًا أنّ أزمة الشّرق الأوسط مرشّحة للاستمرار في حالة “لا حرب ولا سلم”، مع ما تحمله من تداعيات كبيرة على الاقتصادات العالميّة، وفي مقدمتها اقتصادات دول الخليج. إذ قد يواجه مئات آلاف اللبنانيّين الّذين يعيشون ويعملون هناك، تهديدًا جدّيًا لاستقرار وظائفهم ورواتبهم. والنّتيجة: احتمال تراجع حادّ في تحويلاتهم إلى لبنان، ما سيزيد من تفاقم المأزق الّذي تتخبّط فيه البلاد.
هذا من دون احتساب الخسائر الماليّة الفادحة النّاتجة عن تراجع إيرادات الدولة، فضلًا عن انهيار القطاع السياحيّ الّذي بات من الماضي.
تطول قائمة الأسئلة الّتي تبحث دومًا عن أجوبةٍ لها، شأنها شأن يومٍ لا ينقضي بسهولة. مَن سيُعيد الإعمار، إذا ما عاد الهدوء يومًا؟ في الظّاهر: لا أحد. فدول الخليج ستنصرف إلى معالجة أزماتها الخاصّة. وأوروبا ترزح تحت الدّيون. ولبنان… أنقاض.
ماذا سيفعل النّازحون الّذين اندفعوا إلى قراهم فور إعلان الهدنة؟ علمًا أنّ الكثيرين منهم اضطرّوا إلى العودة إلى مراكز الإيواء الّتي غادروها للتوّ. ناهيك عن حجم الدّمار الّذي جعل عددًا كبيرًا من القرى غير صالحٍ للسّكن، أو بعيد المنال. العودة ليست وشيكةً.
هل سيصمد التّعايش مع السكّان المستضيفين على المدى الطّويل؟ لا شيء يضمن ذلك. وهل قدّر أحدهم أصلًا حجم التّداعيات النفسيّة، والبيئيّة، والدّيموغرافيّة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة؟ ثمّة تقارير طبعًا، ويمكن أن ينتج “ChatGPT” العشرات منها في دقيقة واحدة. ولكن أين التّوصيات العمليّة؟ وأين الإجراءات الملموسة؟
في الوقت الرّاهن، يبدو المشهد كقفزةٍ بالحبل المطاطيّ… إنّما، من دون حبل.
في هذا النّفق الطّويل المظلم بالتّحديد، تحاول الدولة اللبنانيّة إشعال بصيصٍ صغيرٍ من الأمل. فالمفاوضات المباشرة بين الدبلوماسيّين اللبنانيّين والإسرائيليّين، برعاية أميركيّة، تُستأنف اليوم الخميس. وتُعتبر هذه المحادثات مفصليّةً بالنسبة إلى لبنان. فمجرّد محاولة فصل المسار اللبنانيّ عن الإيرانيّ تُشكّل، بحدّ ذاتها، إنجازًا سياسيًّا لافتًا. إنجاز لم يغب عن أعين الميليشيا الموالية لإيران، الّتي تكرّر كالبوق رفضها أي حوار مباشر مع إسرائيل، خشية أن تفلت “الورقة” اللبنانيّة من يد طهران، ومن محور الموت الّذي تديره. وهو احتمال لا يدخل أصلًا في حسابات الحرس الثوريّ، الّذي يعوّل على بيادقه المحليّين ليبقوْا وقودًا حيًّا لمعارك النّظام الإيرانيّ.
بالنسبة إلى الدبلوماسيّين اللبنانيّين، تبدو المهمّة أقرب إلى السّير على حبلٍ مشدودٍ. فالتّفاوض مع إسرائيل ليس خيارًا مُريحًا، لكنّه الخيار الوحيد المُتاح، كما يكرّر رئيس الجمهوريّة جوزاف عون منذ أيّام. غير أنّ المهمّة تبدو غايةً في الصّعوبة حين لا يملك المرء أي أوراق قوّة، سوى إرادة العيش بسلام، وواقع مثقل بطعناتٍ من الخلف.
فالرّهان كبير: استعادة نحو 500 كيلومترٍ مربّعٍ من الأراضي اللبنانيّة الّتي باتت تحت سيطرة الجيش الإسرائيليّ، نتيجة مباشرة للحرب الّتي أشعلتها الميليشيا الموالية لإيران. مع ذلك، تُواصل هذه الميليشيا الحديث عن “المقاومة”، في تناقضٍ صارخٍ مع ما تفرضه الوقائع على الأرض.
قد لا تبدو المفاوضات مُهينةً سوى في نظر مَن روّجوا على مدى عقود لوهم “النّصر” عبر السّلاح، على الرغم من أنّ أحدًا لم يطلب منهم ذلك أصلًا. وهي، في نهاية المطاف، الخيار الواقعيّ الوحيد.
يكفي أن تُطلق طهران صاروخًا واحدًا، أو تصدر قرارًا، حتّى ينهار كلّ شيء. يفاوض لبنان على بقائه تحت تهديد دائم من أطرافٍ تريد له الفشل. وهنا بالذّات تكمن المأساة اللبنانيّة: بلد يحاول النّجاة، بينما يواجه شريحةً في الدّاخل، حوّلَت المعاناة والفوضى إلى رأسمالٍ سياسيٍّ، قائمٍ على سفك الدّماء.
نحو 2500 قتيل منذ الثّاني من آذار… في سبيل إيران.
قال ألبير كامو: “في وسط الشّتاء، اكتشفتُ في داخلي صيفًا لا يُقهر”.
فأي صيف أجمل من صيف لبنان؟!




