“إلى السّلام دُرْ”


خاص 25 نيسان, 2026

أيّ مبادرة أميركية تحتاج إلى دعم إقليمي ودولي، وإلى ضمانات أمنية واقتصادية للطرفَيْن، إضافةً إلى مراعاة الخصوصيّة اللبنانية، سواء من حيث التركيبة السياسية أو التوازنات الطائفية.

كتب جان الفغالي لـ”هنا لبنان”:

لم يعد الحديث عن السلام بين لبنان وإسرائيل مجرّد طرح نظري أو أمنية بعيدة المنال، بل بات يرتبط بجملةٍ من التحوّلات الإقليمية والدولية التي تُعيد رسم ملامح الشرق الأوسط. في هذا السياق، تبرز الجهود التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي تأتي ضمن رؤيةٍ أوسع لإعادة ترتيب التوازنات في المنطقة، مستندةً إلى وقائع تاريخيّة وتجارب تفاوضيّة سابقة بين الطرفَيْن، ما يطرح سؤالًا جوهريًّا: هل دخلنا فعلًا مرحلة نضوج الظروف لإمكان تحقيق سلام لبناني – إسرائيلي؟

أظهرت التجارب السابقة أنّ السّلام مؤجل وليس مستحيلًا. فعلى الرغم من حالة العداء المعلنة، فإنّ لبنان وإسرائيل ليسا غريبَيْن عن طاولة المفاوضات. فقد شهدت تسعينيّات القرن الماضي، بعد مؤتمر مدريد عام 1991، جولات تفاوض غير مباشرة برعاية دولية، كما شارك لبنان في مسار تفاوضي موازٍ للمسار السوري. وعلى الرغم من أنّ هذه المفاوضات لم تُفضِ إلى اتفاق نهائي، إلّا أنّها أثبتت أنّ التواصل السياسي ممكن عندما تتوافر الإرادة والظروف.

كما شكّل اتفاق الهدنة عام 1949 إطارًا قانونيًّا لتنظيم العلاقة بين الطرفَيْن، واستمرّ ساري المفعول حتّى دخول العامل الفلسطيني المسلح اعتبارًا من منتصف ستينيّات القرن الماضي. عام 2022، توصّل لبنان وإسرائيل إلى اتفاقٍ لترسيم الحدود البحرية بوساطة أميركية، وهو إنجاز مهم يُظهر أنّ التفاهم حول قضايا حسّاسة ممكن، حتّى في ظلّ غياب اعتراف متبادل أو علاقات دبلوماسية.

ومن التعطيل إلى التيسير، فلطالما لعبت القوى الإقليمية والدولية دورًا حاسمًا في عرقلة أو دفع مسارات السلام. في الحالة اللبنانية، كان الصراع مع إسرائيل مرتبطًا إلى حدٍّ بعيدٍ بتوازناتٍ أوسع، خصوصًا الصراع العربي – الإسرائيلي، والدور السوري في لبنان سابقًا، إضافةً إلى تأثير قوى غير دولية مثل حزب الله، الذي يرى في الصراع مع إسرائيل جزءًا من عقيدته الاستراتيجية.

في المقابل، ساهمت بعض القوى الدولية في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، وعلى رأسها الولايات المتحدة التي لعبت دور الوسيط في أكثر من محطة. واليوم، تبدو واشنطن، في ظلّ إدارة الرئيس ترامب، أكثر اندفاعًا نحو تحقيق اختراقات دبلوماسية، مستفيدةً من تجربة “اتفاقيات أبراهام” التي نجحت في تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.

إنّ أحد أبرز العوامل التي تعزّز فرضيّة نضوج الظروف للسلام هو التحوّل في أولويّات الدول العربية. فالكثير من هذه الدول بات يُركّز على الاستقرار الاقتصادي والأمني، بدل الانخراط في صراعاتٍ طويلة الأمد. كما أنّ التهديدات المشتركة، سواء كانت أمنية أو اقتصادية، دفعت بعض الأطراف إلى إعادة تقويم علاقاتها مع إسرائيل.

بالنّسبة إلى لبنان، فإنّ الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها منذ عام 2019 قد تدفعه إلى البحث عن حلولٍ غير تقليديةٍ، بما في ذلك إعادة النّظر في علاقاته الإقليمية. فالسّلام، في حال تحقّق، قد يفتح الباب أمام استثمارات دولية، واستغلال أفضل للموارد الطبيعية، خاصّةً في قطاع الطاقة.

لكنّ على الرغم من المؤشّرات الإيجابية، لا تزال هناك عقبات جدّية أمام تحقيق سلام لبناني – إسرائيلي. أولها البُعد الداخلي اللبناني، حيث لا يوجد إجماع سياسي على هذا الخيار، بل إن جزءًا كبيرًا من القوى السياسية والشعبية يرفض أي شكل من أشكال التطبيع مع إسرائيل.

يُشكّل سلاح حزب الله عاملًا حاسمًا، إذ يعتبر الحزب نفسه في حالة صراع مفتوح مع إسرائيل، ويرى في أي اتفاق سلام تهديدًا لدوره ومبرّر وجوده. كما أنّ إسرائيل بدورها تضع شروطًا أمنيةً صارمةً، ما قد يعقّد أي مفاوضات مستقبلية.

تبقى قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، والمرتبطة بحقّ العودة، عاملًا حسّاسًا، إذ يخشى لبنان من أن يؤدّي أي اتفاق إلى توطينهم بشكلٍ دائمٍ، ما يُخلّ بالتوازن الدّيموغرافي.
ويرى محلّلون أنّ الجهود الأميركية تقف في منتصف الطريق بين الطموح والواقع.

تسعى الإدارة الأميركية بقيادة ترامب إلى تحقيق إنجازٍ دبلوماسيّ جديد في الشرق الأوسط، وقد ترى في المسار اللبناني فرصةً لإكمال سلسلة اتفاقيّات السلام. إلّا أنّ نجاح هذه الجهود يتوقف على قدرتها في معالجة التعقيدات الخاصة بالحالة اللبنانية، والتي تختلف عن حالات دولٍ أخرى طبّعت علاقاتها مع إسرائيل.

كما أنّ أي مبادرة أميركية تحتاج إلى دعم إقليمي ودولي، وإلى ضمانات أمنية واقتصادية للطرفَيْن، إضافةً إلى مراعاة الخصوصيّة اللبنانية، سواء من حيث التركيبة السياسية أو التوازنات الطائفية.

إنّ الحديث عن سلام بين لبنان وإسرائيل لم يعد من المحرّمات السياسية، لكنّه لا يزال محفوفًا بالتحدّيات. صحيح أنّ الظروف الإقليمية والدولية تشهد تحوّلات قد تفتح نافذةً للسلام، إلّا أنّ تحقيقه يتطلّب أكثر من مجرّد إرادة خارجية؛ بل يحتاج إلى إطار دولي ضامن.

قد يكون السلام اليوم أقرب ممّا كان عليه في السابق، لكنّه لا يزال في مرحلة “الإمكان” لا “التحقّق”. وبين دربٍ مليءٍ بالعقبات وأفقٍ يحمل فرصًا جديدةً، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يختار لبنان وإسرائيل السير في طريق السلام، أم يبقيان أسرى ماضٍ لم يُطوَ بعد؟!

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us