انتصار؟ فعلًا؟!

كتب Marc-Jérémie Boulos لـ”Ici Beyrouth”:
في لبنان، فقدت كلمة “النّصر” معناها، وحوّلها حزب الله إلى أداةٍ دعائيّةٍ. ففي كلّ مواجهة، تُفرض الرّواية عينها: رواية “انتصار” مزعوم يُكرَّر من دون توقّف، وبمعزلٍ تامٍّ عن الواقع. ولم تعد تنطلي هذه الخطابة سوى على مَن يرفض رؤية الحقيقة.
ماذا يعني “الانتصار” بعد تدمير نحو 500 كيلومترٍ مربّعٍ؟ وبعد قتل الآلاف، أو إصابتهم بجروح، أو إرغامهم على النّزوح من منازلهم؟ وبعد محو مناطق كاملة، واستباحة أراضٍ زراعيّة، واستنزاف اقتصاد أصلًا هشّ، أكثر فأكثر؟
إذا كان هذا هو الانتصار، فلبنان لم يعد بحاجة إلى أعداء.
الكلفة الحقيقيّة: بلدٌ منهارٌ
خلْف الشّعارات والخطابات الّتي يُطلقها حزب الله، يقف بلد يتداعى. وعائلات مهجّرة لا تعرف إن كانت ستتمكّن من العودة إلى منازلها. ومزارعون يخسرون أراضيهم ومصدر رزقهم. وبُنى تحتيّة مدمّرة، ستستغرق إعادة إعمارها سنوات، إن كُتب لها هذا.
ليست هذه الحصيلة البشريّة والماديّة مجرّد أرقام. إنّها واقع يوميّ يعيشه آلاف اللبنانيّين. مع ذلك، يُقلَّل من شأنها أو تُنكَر، لصالح سرديّة بطوليّة لا تعكس حقيقة ما يجري على الأرض.
ولم يكن التّباين بين الخطاب والواقع يومًا بهذا الوضوح.
سيادةٌ مُصادَرةٌ
يتصرّف حزب الله خارج إطار الدولة، وبمعزل عن آليّات القرار الديمقراطيّ، فارضًا توجّهاته الاستراتيجيّة على كامل البلاد من دون أي رقابة مؤسّساتيّة فعليّة.
لم يَعُدِ الأمر مجرّد خللٍ في التّوازن السياسيّ، بل بات يمثّل مصادرةً واضحةً للسّيادة الوطنيّة، حيث تُنتَزع قرارات الحرب والسّلم من يد الدولة اللبنانيّة.
والنّتيجة واضحة: يُزَجّ لبنان في صراعات لا تنسجم مع مصالحه الوطنيّة، بل تخدم أجندات تتجاوز حدوده بكثير.
ولا يمكن فهم هذه الديناميّة من دون الإشارة إلى السّياق الإقليميّ الّذي أسهم في ترسيخها. فقد أدّى النّظام السوريّ السّابق وشبكاته في الدّاخل اللبنانيّ، إلى جانب الدّعم الإيرانيّ، دورًا محوريًّا في بناء نفوذ هذه المنظّمة وتعزيزها، ما أفضى إلى تراكم قوّة عسكريّة وسياسيّة، مكّنتها من بلوغ حجم التّأثير الّذي تمارسه اليوم.
في هذا السّياق، تبرز مسألة جوهريّة تتعلّق بمفهوم الولاء الوطنيّ، حين تؤثّر قوّة مسلّحة في قرارات الدولة الاستراتيجيّة تبعًا لتحالفات خارجيّة، بدل أن تستند حصريًّا إلى مصالح الدولة اللبنانيّة العليا.
وهمٌ مُصانٌ
لعلّ الأخطر هنا يكمن في صناعة الوهم بشكلٍ ممنهجٍ من قبل هذا التّنظيم المسلّح. فكلّ دمار يُقدَّم بوصفه “انتصارًا”، وكلّ خسارة يُعاد تأويلها كإنجاز، وكلّ أزمة تُعاد صياغتها ضمن سرديّة بطوليّة جاهزة. وتُغلق هذه الآليّة الدعائيّة باب المراجعة والمساءلة، وتُبقي البلد عالقًا في حلقةٍ مغلقةٍ تُنكر الفشل في اللّحظة التي تُعيد فيها إنتاجه.
ومع تكرار هذه السرديّات، تسعى ذراع إيران المسلّحة إلى فرض واقع موازٍ للواقع الفعليّ، يُستبدل فيه معنى الوقائع بخطاب تعبويّ دائم، يطغى على الحقيقة بدل أن يعكسها.
لبنان رهينة صراعٍ لا يمتّ إليه بصلة
يُدفع لبنان، يومًا بعد يوم، إلى مسارات صراعاتٍ لا تنسجم مع مصالحه ولا أولويّاته، ولا تعبّر عن إرادة شريحةٍ واسعةٍ من شعبه.
وبعد سنوات من الأزمات، والتوتّرات، والدّمار، تتّضح خلاصة واحدة: يرزح هذا البلد تحت عبء منطقٍ يتجاوزه ويستنزفه، هو منطق حزب الله.
فإلى متى يمكن أن يستمرّ هذا الواقع؟
يقظة ملحّة
لقد آن الأوان لوضع حدٍّ لهذه المسرحيّة، وكسر الأوهام، ورفض الخطابات الّتي تُزيّف الواقع، وتُعيد صياغته بعيدًا عن حقيقته.
فلا إعادة إعمار جدّية، ولا استقرار مستدام، ولا مستقبل قابل للحياة يمكن أن يتحقّق ما دام السّلاح موجودًا خارج سلطة الدولة.
يستحيل أن يُعاد بناء لبنان تحت الإكراه.
التنفّس… أخيرًا
بعد عقود من الأزمات والكوابيس، تبرز حقيقة بسيطة: العيش بسلام في دولةٍ ذات سيادةٍ، ومستقرّةٍ، ومحرَّرةٍ من منطق الحرب الدائمة.
يستحقّ لبنان أكثر من “انتصاراتٍ” مصطنعةٍ. هو يستحقّ أن يعيش. ويستحقّ أن يتنفّس الصّعداء.
مواضيع ذات صلة :
ضغط إسرائيلي عبر واشنطن على لبنان… وتحذير من انهيار الهدنة | الجيش الإسرائيلي يكشف أدلة جديدة تبين استخدام “الحزب” لسيارات الإسعاف لأغراض “إرهابية”! | رفض الاحتلال ونزع السلاح مطلبان لبنانيّان |




