“العدو” الغاشم و”المقاوم” الغشيم


خاص 27 نيسان, 2026

يستطيع أعداء إسرائيل في لبنان وصفها متى شاؤوا بـ”العدو الغاشم”. لكن هل يستطيع هؤلاء تفسير استمرار “الحزب” في مقاومة جرّت على لبنان ويلات قلّ نظيرها في تاريخه القديم والحديث على السواء؟ فإما أنّنا لا نفهم مرامي “الحزب”، وإما أنّه “غشيم” سيقود لبنان حتماً إلى الهلاك المحتوم إذا ما تُرك له الأمر


كتب أحمد عياش لـ”هنا لبنان”:

اندفعت أمس من منطقة النبطية أرتال النازحين بعدما  أصدر الجيش الإسرائيلي تحذيراً للسكان لإخلاء سبع بلدات شمالي نهر الليطاني قائلاً إنه سيتّخذ إجراءات قوية ضد “حزب الله” بسبب انتهاكات لوقف إطلاق النار. وأتى النزوح الجديد من هذه المنطقة، بعد وقت قصير على عودة السكان من نزوحهم الذي تسبب به تجدد الحرب في 2 آذار الماضي. وقد نجح لبنان من خلال المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية بإحراز وقف لإطلاق النار لمدة 10 أيام انتهت أمس على أن يبدأ وقف جديد لإطلاق النار اليوم ولمدة ثلاثة أسابيع وذلك بفضل جولة ثانية من المفاوضات رعاها شخصياً الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأربعاء الماضي في البيت الأبيض.
لكن السؤال الذي حمله النازحون الجدد والقدامى منذ أن ابتليَ لبنان بحروب الإسناد التي شنّها “حزب الله” منذ 8 تشرين الأول 2023 هو: أين هو وقف النار؟
يقول العديد من الذين لا يزالون نازحين من جنوب لبنان، وفق تحقيق نشرته “نيويورك تايمز” أمس، إنّ وقف إطلاق النار لم يجلب الكثير من الراحة الملموسة. وجاء في التحقيق: “هرب كامل محمد منصور من قرية طلوسة بعد بدء الحرب، ويعيش الآن في خيمة في ملعب في بيروت بعد فقدانه منزله ومدخراته وأراضيه الزراعية. وسأل السيد منصور، البالغ من العمر 78 عاماً: “عن أي وقف إطلاق نار تتحدث؟ لقد فقدت كل شيء وأجلس هنا وحدي”.
ما نشرته الصحيفة الأميركية وما تفعله وسائل الإعلام قاطبة لا يتماشى مع التعبئة التي أعلنها ولا يزال “حزب الله” كي يستمر في أداء دور “المقاومة للاحتلال”. علماً أنّ الحزب وبفضل مقاومته أعاد الاحتلال إلى الجنوب بعد رحيل إسرائيل عنه في أيار 2000 تنفيذاً لقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 425. وتتيح متابعة ما يبثه إعلام الحزب مشاهدة نازحين يعلنون من أماكن نزوحهم “فداء المقاومة”.
تؤكد إسرائيل يومياً أن احتلالها الجديد للجنوب لن ينتهي قريباً. وكتبت صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية أمس تقول: “تصاعدت المحادثات بين لبنان وإسرائيل عندما استضاف الرئيس الأميركي فرق التفاوض. وتشير مشاركة ترامب في هذا الاجتماع الثاني إلى أنّ إدارته تأخذ على محمل الجد فرص التوصل إلى اتفاق بين البلدين، ولا شك أنّ الضغط سيمارس على الطرفين. لكن بالطبع، كان السبب الرئيسي لخلاف إسرائيل ولبنان في المقام الأول والقضية الرئيسية التي يجب معالجتها، غائباً وهو “حزب الله”.
ورأت الصحيفة أنه “لكي يستمر وقف إطلاق النار ولكي تكون المحادثات مثمرة، يجب أن يكون التركيز الرئيسي على كيفية نزع الضرر وتهميش “حزب الله”. وإذا كان لدى ترامب خطة، فعليه أن يشاركها مع الأطراف، ويجب أن يوضح للحكومة اللبنانية أنّ إسرائيل لن تنسحب من منطقتها الأمنية أو تتوقف عن استهداف الإرهابيين الذين يهددون حياة سكان الشمال، حتى يحدث ذلك، لنكن واضحين: كل شيء يتعلق بـ”حزب الله”.
في السياق، وحسبما أفادت قناة KAN News الإسرائيلية مساء السبت، نقلاً عن عدة مسؤولين أمنيين إسرائيليين: “الواقع على الأرض معقد”، مشيرة إلى أنه بدون ضغط سياسي أميركي، قد ينهار اتفاق وقف إطلاق النار بسهولة”.
بالعودة إلى “نيويورك تايمز”، يقول المحللون إنّ استمرار العنف والقبول المتردد للشروط يشيران إلى أنّ الاتفاق لا يصل إلى وقف إطلاق النار الحقيقي ومعرّض للانهيار تماماً.
وقال ديفيد وود، محلل كبير في مجموعة الأزمات الدولية، وهي منظمة أبحاث لمنع النزاعات: “هذا ليس هدنة إطلاق نار بقدر ما هو تهدئة محدودة”. وبموجب شروط الهدنة، كما نشرتها وزارة الخارجية الأميركية بعد إعلانها الأول في منتصف نيسان، لإسرائيل الحق في الدفاع عن النفس “ضد الهجمات المخططة أو الوشيكة أو الجارية”. وقد استشهدت بهذا كمبرر لمواصلة تنفيذ الضربات داخل لبنان.
في المقابل، قال النائب في كتلة “حزب الله” علي فياض، إنّ تمديد وقف إطلاق النار الذي يستمر ثلاثة أسابيع لا يحمل “أي معنى” بسبب استمرار الهجمات الإسرائيلية. ويرى وود إنّ وقف إطلاق النار في لبنان مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتوترات أوسع مع إيران، ما يعني أنه إذا انهارت المحادثات بين واشنطن وطهران، فقد يصبح لبنان بسرعة نقطة توتر. أضاف وود: “أحد العوامل التي تجعل الهدنة هشة للغاية هو أنها تعتمد إلى حد كبير على اهتمام الرئيس ترامب. وقد أجبر الرئيس ترامب على تمرير وقف إطلاق النار هذا إلى حد كبير لأنه لم يرغب في استمرار القتال في لبنان لإفساد المفاوضات مع إيران”.
لكن بول سالم، وهو زميل أول في معهد الشرق الأوسط في واشنطن يلفت إلى أنّ “حزب الله”، ومن خلال مواصلة هجماته بموجب وقف إطلاق النار الحالي “يريد ترسيخ المبدأ القائل بأنه طالما هناك احتلال إسرائيلي في لبنان، فله الحق في المقاومة”. أضاف: “كما أنهم يريدون إيجاد هدنة أكثر ديمومة من الترتيب الحالي، وبمساعدة إيران، يريدون الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل للحصول على وقف إطلاق نار كامل”، وهو ما حدث في الحروب عام 1996 أو 2006”.
تبدو صورة الأحداث في لبنان أنها ماضية على قاعدة أنّ إسرائيل ومهما حصل لن تغيّر حساباتها في لبنان طالما أنّ سلاح “حزب الله” ما زال موجوداً. وفي المقابل، يتصرف “حزب الله” وكأنه غير معنيّ على الإطلاق بقرارين تاريخيين للحكومة في لبنان صدرا في 5 آب الماضي وفي 2 آذار من العام الحالي. ويعتبر القراران أنّ الحزب لا يحق له استخدام السلاح كما لا يحق له ادعاء الحق في العمل الأمني والعسكري.
يستطيع أعداء إسرائيل في لبنان وصفها متى شاؤوا بـ”العدو الغاشم”. لكن هل يستطيع هؤلاء تفسير استمرار “حزب الله” في مقاومة جرّت على لبنان ويلات قلّ نظيرها في تاريخه القديم والحديث على السواء؟
يقف اللبنانيون بأكثريته الساحقة أمام معادلة: إما أنهم لا يفهمون مرامي “حزب الله”، وإما أنّ الأخير “غشيم” سيقود لبنان حتماً إلى الهلاك المحتوم إذا ما تُرك له الأمر.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us