بين إسرائيل وأوكرانيا صداقة متقلّبة الأوجه

ترجمة هنا لبنان 29 نيسان, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتب Mario Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:

استدعى وزير الخارجيّة الأوكراني أندريه سيبيها، يوم الإثنين، السفير الإسرائيلي في كييف، على خلفيّة قضيّة السّفينة “بانورميتيس” الّتي تنتظر إذنًا بالرّسو في ميناء حيفا، وهي محمّلة بالحبوب، وقادمة من الأراضي الاوكرانيّة المحتلّة من روسيا.

وفي اليوم التّالي، الثلاثاء، اتّهم الرئيس فولوديمير زيلينسكي إسرائيل بأنّها “تقوّض” العلاقات مع كييف، إذ سمحت بدخول شحنة حبوب “سرقتها روسيا” من الأراضي الاوكرانيّة الّتي تحتلّها.

وقال زيلينسكي عبر وسائل التّواصل الاجتماعيّ: “لا يمكن أن تتجاهل السّلطات الإسرائيلية السّفن الّتي تصل إلى موانئ البلاد، أو طبيعة حمولتها”. وأضاف: “في أي دولة طبيعيّة، يُعتبر شراء البضائع المسروقة جريمة جنائيّة”.

هذه ليست الحادثة الأولى. فبحسب صحيفة هآرتس الإسرائيلية، جرى تفريغ أربع شحنات مماثلة في إسرائيل في خلال هذا العام. وترى كييف أنّ تساهل تل أبيب مع هذه الواردات يرقى إلى حدّ التّواطؤ في نهب أراضيها المحتلّة، اقتصاديًّا. وقد شدّد وزير الخارجيّة الاوكرانيّ على ذلك قائلًا: “من الصّعب فهم غياب ردّ إسرائيليّ مناسب على طلبنا المشروع بشأن السّفينة السّابقة الّتي سلّمت بضائع مسروقة إلى حيفا”.

وردّ وزير الخارجيّة الاسرائيليّ جدعون ساعر بنبرة حازمة، مؤكّدًا إنّ الادّعاءات ليست بمثابة أدلّة، وإنّ الدبلوماسيّة لا تُدار عبر وسائل التّواصل الاجتماعيّ. وبين هذا السّجال المتصاعد، تتكشّف علاقة ثنائيّة تجمع بين تقارب عمليّ من جهة، وخيبات متكرّرة من جهة أخرى.

تاريخ مشترك يسبق أي علاقة بين الدولتيْن

بدأت الرّوابط بين الشّعبيْن قبل قيام دولتيْهما بوقت طويل. فقد شكّلت أوكرانيا لوقت طويل قلب العالم النّابض اليهوديّ الأشكنازيّ، أرض “الشتتل” (البلدات اليهوديّة الصّغيرة)، والحركة الحسيديّة، وحياة ثقافيّة ييديشيّة غنيّة.

وقد تجسّد هذا القرب التاريخيّ بشكل مأساويّ في خلال الهولوكوست: بين 1941 و1945، لقي نحو 1.5 مليون يهوديّ مصرعهم على أراضي أوكرانيا الحاليّة، ما حوّل “بابي يار” إلى واحد من أكثر رموز الإبادة الجماعيّة ظلامًا. وفي المقابل، جرى إحصاء أعداد كبيرة من “الصّالحين بين الأمم” في أوكرانيا أيضًا، وهو تكريم تمنحه دولة إسرائيل لغير اليهود ممّن خاطروا بحياتهم لإنقاذ اليهود في خلال الهولوكوست.

ينعكس هذا التّناقض في الذّاكرة التاريخيّة على العلاقات الثنائيّة حتّى اليوم، لا سيّما مع كلّ إحياء لذكرى الأوّل من كانون الثّاني، تاريخ ميلاد ستيبان بانديرا، أحد رموز القوميّة الاوكرانيّة الّذي تعاون لفترة وجيزة مع ألمانيا النازيّة، وهو ما يشكّل مصدر توتّر دبلوماسيّ دائم.

تطبيع سريع بعد 1991

مع استقلال أوكرانيا في كانون الأوّل 1991، كانت إسرائيل من بين أولى الدول الّتي اعترفت به، وأُقيمت العلاقات الدبلوماسيّة في السّادس والعشرين من كانون الأوّل. ويعود هذا التّسارع إلى عامل بشريّ مهمّ: الهجرة الواسعة من الاتّحاد السوفياتيّ في التسعينيّات، الّتي أدّت إلى انتقال نحو 500 ألف شخص من أصول أوكرانيّة إلى إسرائيل، ما خلق جسرًا حيًّا بين المجتمعيْن.

في العقديْن الأوّليْن من الألفيّة، تكثّفت الزّيارات الرسميّة، والاتفاقيّات التجاريّة، والتّعاون التقنيّ. ففي عام 2011 اعتُمد نظام إعفاء من التّأشيرات، تلاه توقيع اتفاقيّة تجارة حرّة في 2019، دخلت حيّز التّنفيذ عام 2021. واعتادت أوكرانيا تصدير الحبوب، والصّلب، والمنتجات الكيميائيّة إلى إسرائيل، بينما صدّرت إسرائيل تقنيّات زراعيّة ومعدّات صناعيّة. وبدا حينها أنّ العلاقة تستند إلى قاعدة صلبة من المصالح الاقتصاديّة، والرّوابط الانسانيّة.

حرب 2022 تكشف واقعًا لا يرحم

أدّى الغزو الروسيّ في الرّابع والعشرين من شباط 2022 إلى انهيار هذا المشهد الإيجابيّ. ووجدت إسرائيل نفسها في موقف شديد الحساسية: فارتباطاتها بالولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبيّ تدفعها إلى إدانة الهجوم، لكنّ أمنها القوميّ يرتبط أيضًا بعلاقة عمل مع موسكو، ما يتيح لها تنفيذ ضربات ضدّ مواقع إيرانيّة، وقوافل تابعة لحزب الله في سوريا من دون عرقلة روسيّة.

صوّتت إسرائيل لصالح القرارات الأمميّة الّتي تدين الغزو، لكنّها امتنعت عن الانضمام إلى العقوبات ضدّ موسكو، ورفضت تلبية الطّلبات الاوكرانيّة المتعلّقة بأنظمة الدّفاع الجويّ، لا سيّما منظومة القبّة الحديديّة.

ولم ينجح زيلينسكي، رغم أصوله اليهوديّة المعروفة، في حشد تضامن سياسيّ واسع في داخل إسرائيل. وقوبل خطابه أمام الكنيست في آذار 2022 بالفتور، إذ قارن بين أوكرانيا والهولوكوست، وانتقد حياد إسرائيل تجاه الحرب الروسيّة الاوكرانيّة.

غادر النوّاب الاسرائيليّون القاعة، في مشهد عكس بوضوح تحرّك البلديْن، رغم رصيد من التّعاطف المتبادل، ضمن منطقيْن جيوسياسيّيْن مختلفيْن. وردًّا على الرّفض الإسرائيلي، تصوّت كييف بانتظام لصالح القرارات الأمميّة الّتي تنتقد السّياسة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينيّة. وفي المقابل، تردّ القدس بالامتناع عن التّصويت على بعض القرارات المتعلّقة بروسيا. وهكذا، يتكرّس نمط من حرب دبلوماسيّة بالوكالة، باردة ومحسوبة.

تقارب ناقص وتوتّرات مستمرّة

شهد خريف 2022 انفراجًا محدودًا، إذ وبعد موجة ضربات روسيّة بطائرات مسيّرة إيرانيّة، وافقت إسرائيل على مشاركة معلومات استخباراتيّة حول هذه الأسلحة مع كييف، ما شكّل إقرارًا أوليًّا بخطورة محور موسكو-طهران.

وفي أيّار 2023، دخل نظام إنذار مبكر من الصّواريخ، من تصنيع إسرائيليّ، الخدمة في كييف. غير أنّ الطّلبات الاوكرانيّة للحصول على أنظمة تسليح هجوميّة بقيت من دون استجابة، ولم تُرمَّم الثّقة السياسيّة بشكل فعليّ.

وبذلك، تأتي قضيّة “بانورميتيس” ضمن سلسلة من خيبات الأمل المتراكمة. فالمعادلة باتت واضحة: لا يكفي التّاريخ المشترك والتّعاطف المتبادل لتأمين التّضامن عندما تتباين المصالح الاستراتيجيّة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us