فليكمل “الحزب” حربه!


خاص 30 نيسان, 2026

ما دام “الحزب” يعتبر نفسه منتصراً في الحرب، وما دامت إسرائيل بالنسبة إليه “أوهن من بيت العنكبوت”، فلماذا يوقف الحرب؟ فليعلن بصراحة أنه لن يوقف الحرب حتى يحسمها نهائياً ويحقق الانتصار الكامل. وعلى الأرجح، ستسحب الدولة يدها تماماً من الملف في لحظة ما، وتتّخذ الخطوات التي تحفظ أمن المناطق غير المعنية بالحرب، وتبلغ العالم كله بذلك، وتترك “الحزب” يصفي حساباته مع إسرائيل


كتب طوني عيسى لـ”هنا لبنان”:

في النهاية، لا يمكن البناء على المستحيل. أمام لبنان الرسمي خياران لا ثالث لهما: إما أن يقتنع بسلوك مسار التفاوض، وإما ألا يقتنع، فيعلن مواصلة الحرب لإخراج إسرائيل من الجنوب.
لبنان الرسمي قطع شوطاً بعيداً في تحديد خياراته. فقد وافق على المفاوضات المباشرة، على مستوى السفيرين في واشنطن، بل في البيت الأبيض. لكنه يتهيب رفع المستوى بلقاء بين الرئيس جوزاف عون وبنيامين نتنياهو. وهذا اللقاء يبقى موضع نقاش في الداخل. ولكن، على لبنان أن يحدد موقفه قريباً وبلا مراوغة: إما أن يقبل بتفاوض مباشر رفيع المستوى وإما أن يقول “لا”. وحينذاك يجب أن يكون قد درس كل التداعيات: عسكرياً باستئناف الحرب القاسية والواسعة، سياسياً واقتصادياً ومالياً، برفع واشنطن كامل التغطية عن لبنان وتشديد الحصار عليه. وبين هذه وتلك، يقاد لبنان إلى انهيار شامل. وبالتأكيد، في هذه الحال، ستمنح واشنطن نتنياهو ضوءاً أخضر للضرب في لبنان أينما كان، كما كان يفعل قبل الهدنة، أي حتى في الضاحية وقلب بيروت الإدارية، مع احتمال قيام إسرائيل بضرب منشآت ومرافق تابعة للدولة اللبنانية التي ستكون في نظرها إما متخاذلة وإما متواطئة مع “حزب الله”. وهذا الأمر يجب أن يستعد له لبنان الرسمي جيداً قبل أن يتسرع ويعلن رفض المفاوضات المباشرة، أو رفض الوفاء بتعهداته، لجهة نزع سلاح “الحزب”. ويجدر التذكير هنا بأنّ معاودة الحرب الشاملة، على مداها، وشمولها البنى التحتية اللبنانية إضافة إلى مناطق تمركز “الحزب”، ستدفع بمئات الآلاف من بيئته إلى خارج مناطقهم، في شكل موجة عارمة، وسيكون عسيراً إيجاد مخارج لأوضاع هؤلاء على المستوى الاجتماعي.
بالعودة إلى أساس المشكلة، “حزب الله” لم يقبل باتفاق الهدنة الحالي، ولا بوقف النار في تشرين الثاني 2024، إلا عندما بلغ الوجع به وببيئته حدوداً لا يمكن تحملها. فإذا استؤنفت الحرب اليوم، سيعود هذا المستوى من الوجع، وسيضطر “الحزب” مجدداً إلى قبول أيّ وقف كان للنار، ولو بشروط أصعب. ولا داعي للقول مجدداً إنّ اتفاق تشرين كان “أرحم” على “الحزب” من التفاهم الحالي، وأنّ هذا التفاهم سيكون “أرحم” من أيّ اتفاق مقبل بالتأكيد، لأنّ الوقت والميدان ليسا لمصلحة “الحزب” إطلاقاً، وبمعزل عما ستنتهي إليه الحرب مع إيران، لأن إسرائيل تتعاطى مع الحرب في لبنان باعتبارها “حربها الخاصة”، التي لا تسمح فيها بالخسارة، بينما تترك للولايات المتحدة هامشاً واسعاً لتقرر ما تراه مناسباً في الحرب على إيران.
إذاً، بماذا سيرد لبنان الرسمي، عندما يوجه ترامب دعوة إلى الرئيس عون للذهاب إلى واشنطن، حيث سيكون نتنياهو موجوداً أيضاً، إذا صح السيناريو الذي يحكى عنه؟ الواضح أنّ عون يريد الحصول على تغطية رسمية كاملة قبل هذه الخطوة، وتحديداً من الرئيس نبيه بري، لأنّ الرئيس نواف سلام متوافق تماماً مع رئيس الجمهورية في هذا الملف. لكن الاجتماع الثلاثي الذي يفترض أن يحسم الأمر جرى تأجيله من الإثنين إلى الأربعاء ثم إلى موعد لم يحدد. ببساطة، واضح أنّ بري الذي يسير على خيط رفيع بين الدولة و”حزب الله” ما زال يصطدم بمستوى عال من الرفض، من جانب “الحزب”، لا يسمح له بالموافقة على مسار التفاوض المرسوم. ويبدو أنّ الجميع ضائع ومربك، ويراهن على المزيد من الوقت، لعل “معجزة” تتحقق ويولد المخرج من مكان غير متوقع.
في حقيقة الأمر، إيران التي أوعزت أساساً لـ”الحزب” بتفجير الحرب لضرورات خاصة بحربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، هي نفسها تطلب منه اليوم رفض التفاوض والتحدي والتصدي والتهديد والوعيد في كل الاتجاهات، ولو كلفه ذلك خسارة الآلاف من عناصره ومن بيئته ومسح قرى كاملة عن الخريطة وتدمير مناطق واسعة من لبنان. وما دامت إيران تمسك بقرار “الحزب”، وشيعة لبنان عموماً، فالوضع سيزداد سوءاً.
الوقت انتهى. ويقول نتنياهو إنّ المهلة المعطاة للبنان كي يترجم تعهداته هي أسبوعان فقط، أي ما تبقى من مهلة الثلاثة أسابيع المعلنة. وبعد ذلك لا مجال إلا الحرب. وهذا يعني أنّ لقاء عون- بري- سلام يجب أن يحصل الآن، ويخرج بخطة واضحة لإنهاء الأزمة، علماً أن لا خيارات كثيرة في هذا المجال: إما القبول بالتفاوض المباشر على مستوى رفيع، والتزام كل التعهدات بجرأة وبلا مراوغة، وإما القول ببساطة: لن نلتزم. فلتكن الحرب. نحن لها.
وبكل صراحة، ما دام “الحزب” يعتبر نفسه منتصراً في الحرب، وما دام يرفض “الاستسلام” لإرادة الولايات المتحدة وإسرائيل، وما دامت إسرائيل بالنسبة إليه “أوهن من بيت العنكبوت”، فلماذا يوقف الحرب؟ فليعلنها “الحزب” بصراحة أنه لن يوقف الحرب حتى يحسمها نهائياً ويحقق الانتصار الكامل. وعلى الأرجح، ستسحب الدولة يدها تماماً من الملف في لحظة ما، وتتّخذ الخطوات التي تحفظ أمن المناطق غير المعنية بالحرب، وتبلغ العالم كله بذلك، وتترك “الحزب” يصفي حساباته مع إسرائيل على أرض الجنوب، ما دام مقتنعاً بالحرب وبالانتصار. وعندما يعلن أنّ مهمته قد انتهت، ويحدد خياراته، سيكون لكل حادث حديث!

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us