الكذب كأداة للتّلاعب في لبنان

ترجمة هنا لبنان 30 نيسان, 2026

كتب David Sahyoun لـ “Ici Beyrouth”:

في لبنان، الكذب ليس انحرافًا طارئًا، بل هو بنيويّ. يحلّل هذا النصّ “الحقيقيّ-المزيّف”، بوصفه آليّة سلطة تُشوّه الخطاب العام، وتُخدّر الفكر، وتُنتج خضوعًا جماعيًّا هادئًا. إنّها قراءة في أخلاقيّات القول، بين الحقيقة الجزئيّة، ومسؤوليّة الكلمة، وكرامة الذّات.
بلدٌ يتعرّف إلى تعاسته من خلال نبرة العبارات. في لبنان، كثيرًا ما اتّخذ الخطاب السياسيّ هيئة مسرح يُمارَس فيه القول من دون قول، والوعد مع الاحتفاظ بمنفذ للتّراجع، وإطلاق كلام يدرك قائله أنّه وهميّ، وإنتاج ما يبدو معقولًا على هيئة ضباب كثيف. ليس “الحقيقيّ-المزيّف” هذا مجرّد كذب يتكرّر، بل هو أسلوب حُكم، وطريقة لاحتلال الفضاء العام عبر تفريغه من مسؤوليّته.
وأكثر ما يثير القلق هو تلك الطّواعية الجماعيّة الّتي تنتهي إلى قبوله. وسائل الإعلام، والمثقّفون، والمواطنون العاديّون، يعتادون هذا التّزييف كما يعتادون انقطاع الكهرباء أو المياه: يبدأ الأمر بالاحتجاج إلى أن يبلغ مرحلة التكيّف، ويُسمّى “واقعيّة” ما يشكّل أحيانًا استسلامًا.
في هذا السّياق، ليس الكذب مجرّد حادث. فهو يكشف أسلوبًا، ومناورة تكاد تشكّل معجمًا جديدًا. فالمسألة لا تقتصر على الوعد ثم الخيبة، بل على ترسيخ نظام خطاب ترتدي فيه العبارة ثوب الحقيقة، وهي مصمّمة للتّحايل عليها. قد يعي المواطن هذا التّلاعب أحيانًا، وقد يندّد به أحيانًا أخرى، مع أنّه ينتهي إلى الانصياع له. تطبيع الكذب أمر خطير، في اللّحظة الّتي نتوقّف فيها عن الاستغراب، ويعتاد فيها الوعي ما لا يُحتمل كما لو كان ضجيجًا في الخلفيّة. حينئذٍ، لا يبقى الكذب فعلًا، بل يتحوّل إلى وسطٍ ثقافيّ سائد.
لا يستثني هذا التكيّف أي مجال. ففي مجال الرّعاية الصحيّة، مثلًا، من المقبول أن يُخفي بعض الممارسين معلومة ما “لحماية” المريض، وكأنّ الحقيقة بحدّ ذاتها مادة سامّة يتعيّن ضبط جرعتها. ونشهد المنطق عينه في مجالات أخرى، تحت أشكال أكثر تعقيدًا. في الاقتصاد كما في السّياسة، تعمل خطابات الخبرة على محو القلق عبر تجميل الصّورة بعقلانيّة مصطنعة، وتحويل عدم اليقين إلى سرديّة مسيطر عليها بإحكام.

منذ زمن فرويد، نقل التّحليل النفسيّ الحقيقة من دائرة الفهم الأخلاقي البسيط وأعادها إلى أفق أكثر إرباكًا. إذ لا يعني “قول الحقيقة” نقل واقعة ما فحسب. فذلك يقتضي موقعًا ذاتيًّا، ووجهة خطاب، وبُعدًا أخلاقيًّا، ويستدعي الاعتراف بأنّ الحقيقة لا تُعطى أبدًا كاملة، لأنّها تصدر عن ذات منقسمة. وقد صاغ لاكان ذلك بصورة حاسمة: لا يُقال سوى نصف الحقيقة، بوصفها نصف قول، لأنّ اللّغة بحدّ ذاتها فضاءُ نقصٍ، وانزياح، وتعثّر مُنتج. إذًا، لا يتعلّق السّؤال في الاختيار بين حقيقة صافية وكذب خالص، بل بفهم ما نفعله حين نتكلّم، وما نفعله بالآخر حين ندّعي قول الحقيقة.
ما اكتشفه فرويد هو استحالة اختزال الحقيقة إلى شفافية كاملة. فالـ”لاوعي” يُدخل شرخًا في فكرة الذّات، بوصفها مالكة أفكارها. وقد يريد المرء قول الحقيقة، مع ذلك يتكلّم ضدّ شخصه. وقد يعتقد أنّه صادق، لكنّه يعيد ترتيب المشهد، ويغيّر موضع التّركيز، ويحذف تفصيلًا، وينقذ صورة عن ذاته. فالحقيقة عند فرويد ليست خاصيّة في الكلمات، بل ديناميّة وتوتّر بين الرّغبة وما يعاكسها.
لهذا التصوّر نتيجتان أخلاقيّتان أساسيّتان. تتمثّل الأولى في أنّ أي ثقافة لا يمكنها أن تُطالب الذّات بحقيقة كاملة من دون أن تُنتج عنفًا. وتتمثّل الثّانية في أنّ ثقافة تتسامح مع الكذب المنهجيّ، تُنتج عنفًا من نوع آخر، أكثر خفاءً، يتجلّى في حرمان الذّات من تجربتها الخاصّة، وتجريدها من القدرة على التعرّف إلى ما تشعر به وتفكّر فيه. فالحقيقيّ-المزيّف في السّياسة، حين يصبح بنيويًّا، لا يضلّل على مستوى الوقائع فحسب، بل يُضعف القدرة على التّفكير، ويُنتج تعبًا، واستسلامًا، وسخرية مكتسبة. عندها تحمي الذّات نفسها بالتوقّف عن التّصديق، لكنّها تُدان أيضًا بالعيش في عالم، لم تعد فيه الكلمة العامة تلزم بأي شيء.
في الممارسة التحليليّة، يكتشف فرويد أنّ مقاومة العلاج ليست ناتجة عن سوء نيّة، بل وظيفة دفاعيّة، لأنّ كل حقيقة تحتاج إلى زمن، وتفترض عملًا نفسيًّا مسبقًا. ولا تقوم الأخلاق الفرويديّة على قول كلّ شيء، بل على عدم تحويل الكذب إلى قدر، وعلى تهيئة شروط لإدراك تدريجيّ، لأنّ الحقيقة الّتي تُقال قبل أوانها قد تُلحق ضررًا بما يُفترض أنّها جاءت لإنقاذه.
مع لاكان، تنتقل الحقيقة إلى مستوى آخر. فهي ليست صعبة المنال فحسب، بل جزئيّة بنيويًّا، لأنّ اللّغة قائمة على النّقص. وتتكلّم الذّات من موقع غير موحّد أبدًا، فتُعبّر، وفي الوقت عينه تفضح نفسها. وتريد أن تدلّ، غير أنّها تفلت ممّا تقصده.
ليس نصف القول تنازلًا عن ضعف إنسانيّ، بل علامة على أنّ الحقيقة ليست كتلة تُنقَل، بل حدثٌ يتجلّى في فعل التوجّه إلى الآخر.

تسمح هذه المقاربة بتمييز استعماليْن للحقيقة. ثمّة خطاب يقبل حدوده، ويقرّ بعدم امتلاكه السّيطرة الكاملة، ويفتح مجالًا للذّات. وثمّة خطاب آخر يتقدّم بوصفه يقينيًّا، ويَعدُ بانسجام تامّ، ويعمل على تحييد التّناقض. وغالبًا ما تنتمي سياسة الحقيقيّ-المزيّف إلى النّمط الثّاني هذا. فهي تحتلّ موقع السيّد، لا لأنّها تقول الحقيقة، بل لأنّها تحتكر حقّ تعريف ما يُعدّ حقيقة. وتفرض سينوغرافيا مسرحيّة، وتطلب من المواطن أن يشغل موقعه في داخلها.
لا تقوم الأخلاق اللاكانيّة على طلب الحقيقة بوصفها كليّة، بل على مسؤوليّة القول. فالتكلّم بصدق، في هذا السّياق، يعني التخلّي عن التمتّع بالهيمنة الّتي يمنحها ادّعاء “المعرفة بالنّيابة عن الآخر”. وفي المجال العام كما في مجال الرّعاية، تشكّل هذه المتعة بحدّ ذاتها تهديدًا. فالكذب لا يُستخدَم للاخفاء فحسب، بل للإمساك بالآخر، وتوجيهه، ولجم حسّه النقديّ، واستدراجه، لا بل وإخضاعه.

في الحقل السياسيّ، في لبنان وفي خارج لبنان، يصبح هذا التّمييز حاسمًا. فالحقيقيّ-المزيّف ليس مجرّد خلل في الصّدق، بل هو جزء من جهاز للسّلطة. وهو يعدُ بحقيقة شاملة، وبحلّ كامل، وبشخصيّة خلاصيّة، بينما يمارس في الوقت عينه احتكارًا للمعنى. ويضع المواطن في موقع الطّفل الّذي تُروى له قصّة لتهدئة قلقه. يبيّن لاكان، حين يصف خطاب السيّد، كيف يمكن أن ينتج الكلام الطّاعة من خلال تقديم نفسه كبديهيّ. فالكذب هنا ليس نقيض الحقيقة، بل أسلوب في إدارة الواقع بدلًا من الذّوات، بما يعفيها من الصّراع الخلّاق، ويجرّدها من ذلك الانزعاج الّذي يمنح الجماعة السياسيّة معناها وكرامتها.
يبرز البعد الأخلاقي بقوّة هنا. إذ يتعيّن أن يعترف الكلام العام بحدوده، وبعدم يقينه، وبكلفته. وحين يتقمّص صفة الدقّة المطلقة، يلغي موقع الذّات. ويغدو أداة هيمنة، حتّى عندما يعتقد المواطن أنّه يتعامل معه بحريّة، مثلما يحدث حين يقع في فخّ تفسيرات من نوع “إنّهم في خارج الواقع”، في حين أنّ “هم” يدركون تمامًا طابع مشروعهم التلاعبيّ.
يقدّم دونالد وينيكوت إضاءة قيّمة على هذا الخضوع، إذ يصوّر “الذات الزّائفة” كتنظيم يتكيّف فيه الفرد مع توقّعات محيطه إلى حدّ يفقد معه القدرة على معرفة ما يرغبه فعلًا. وعلى المستوى الجماعيّ، ينتج عالم مشبع بالحقيقيّ-المزيّف ذواتًا اجتماعيّة زائفة؛ ويتعلّم فيها الأفراد الكلام “كما ينبغي”، ويمثّلون مشاعر الاستنكار، ويستعيدون الاطمئنان عبر السرديّات، ويستخدمون الشكّ قناعًا. عندها تكفّ اللّغة عن كونها مجالًا للحقيقة الذاتيّة، وتغدو لباسًا أو درعًا حتّى. ويُطلق على ذلك أحيانًا اسم “الصوابيّة السياسيّة”.
لا يختزل البعد الأخلاقي، في هذا السّياق، في المطالبة بـ”مزيد من الشّفافية”. إذ قد تتحوّل الدّعوة إلى الشّفافية إلى شكل من أشكال الإكراه، خصوصًا حين تُمارس بلا إطار، ولا إيقاع، ولا مراعاة للبنية النفسيّة. بل يتمثّل البعد الأخلاقي في إعادة تأسيس شروط الكلام بما يسمح للذّات باحتمال الشكّ، وإمكان قول “لا أعرف”، و”ربّما”، بحيث لا يُعامَل الّتناقض فورًا على أنّه خطأ.
ينطبق ذلك على المجال السياسيّ، كما ينطبق على المجال الإعلامي الّذي، حين يتخلّى عن وظيفته في تشكيل الواقع لصالح تعليق ساخر، يساهم من حيث لا يقصد في تكريس هذا النّمط من “الذّات الزّائفة” الجماعيّة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us