مقاطعة إسرائيل بين القانون والرأي العام في لبنان

ترجمة هنا لبنان 1 أيار, 2026

كتب Hussain Abdul-Hussain لـ”This is beirut“:

يزعم حزب الله وحلفاؤه الإقليميون أنّ الغالبية الساحقة من اللبنانيين والعرب و”أصحاب الضمائر” يرون في إسرائيل شرًا مطلقًا، أو “سرطانًا” يجب استئصاله. لكن إذا كان هذا العداء عميقًا وعامًا إلى هذا الحد، فلماذا لا يزال لبنان بحاجة إلى فرض قانون صارم لمقاطعة إسرائيل؟

يجرّم هذا القانون أي تواصل مع إسرائيليين، ويهدد المخالفين بعقوبات قد تصل إلى عشر سنوات من الأشغال الشاقة. فالاشمئزاز الشعبي الحقيقي لا يحتاج إلى مثل هذا الإكراه. وبالتالي، يكشف القانون عن خلل جوهري في السردية السائدة حول المواقف تجاه إسرائيل في لبنان. فبدون فرض الدولة، قد يختار كثير من اللبنانيين الانخراط مع الدولة اليهودية.

أُقرّ القانون في حزيران 1955 كجزء من نظام المقاطعة العربية لإسرائيل آنذاك، وهو واسع وملتبس إلى حد كبير. فهو يحظر على أي لبناني—بشكل مباشر أو غير مباشر—الدخول في أي معاملة، سواء كانت مالية أو ثقافية أو فكرية أو “من أي نوع كان”، مع أفراد أو جهات في إسرائيل أو تعمل لصالحها. كما تُحظر السلع الإسرائيلية بشكل كامل.

ورغم أن تطبيق القانون، على الورق، يقع ضمن مكتب خاص بالمقاطعة يخضع لإشراف وزارة الاقتصاد، إلا أنّ نطاقه توسّع عمليًا. فقد قامت المحاكم اللبنانية بربطه بقوانين “التعامل مع العدو”، ما جعل حتى رسالة عبر واتساب، أو تفاعلًا على وسائل التواصل الاجتماعي، أو تبادلًا أكاديميًا، أو مقابلة صحافية، يُصنّف كخيانة محتملة. وتشمل العقوبات الأشغال الشاقة، والغرامات، ووضع الأسماء على اللوائح السوداء، ومصادرة الأصول.

في السنوات الأخيرة، جرى استخدام القانون كسلاح ضد صحافيين وناشطين وفنانين وشخصيات معارضة، وكل من يجرؤ على التشكيك في احتكار حزب الله للفكر. لكن إذا كان العداء لإسرائيل يعكس فعلًا إرادة شعبية عفوية، لما كانت هناك حاجة إلى كل هذه الآليات. فالمواطنون كانوا سيقاطعون الإسرائيليين ببساطة. بدلًا من ذلك، تهدد الدولة التي يهيمن عليها حزب الله مواطنيها بالسجن لكبح الفضول الإنساني الطبيعي، والمصلحة الاقتصادية، والاختلاف السياسي. وبدل أن يحمي القانون إجماعًا وطنيًا، فهو في الواقع يصنعه.

كما يفرض هذا الواقع سيطرة مشددة على وصول اللبنانيين إلى المعلومات. فقد مُنع عرض فيلم “سنو وايت” من إنتاج ديزني لعام 2025 في دور السينما اللبنانية فقط لأنه من بطولة الممثلة الإسرائيلية غال غادوت. كما تُحجب مواقع الأخبار الإسرائيلية، ولا تتوافر في المكتبات الكتب التي تُعتبر إيجابية تجاه إسرائيل. وفي عام 1996، اضطر رئيس الوزراء آنذاك رفيق الحريري إلى التدخل شخصيًا للسماح باستيراد الترجمة العربية لكتاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “مكان تحت الشمس” من الأردن.

نتيجة لذلك، فإنّ المصادر الرئيسية المتاحة للقارئ اللبناني حول إسرائيل غالبًا ما تكون أعمال إدوارد سعيد ونعوم تشومسكي ونورمان فينكلستين، وجميعهم من أشد المنتقدين لإسرائيل. وقد ظهر كل من تشومسكي وفينكلستين عدة مرات على قناة “المنار” التابعة لحزب الله، والتقيا بالزعيم الراحل للحزب حسن نصرالله. وإلى جانب هذه الأعمال، يمكن بسهولة شراء كتاب هتلر “كفاحي”.

في ظل هذا التحكم الصارم بالمعلومات والحظر الكامل للتواصل المباشر مع الإسرائيليين، كان من المتوقع أن يسود عداء موحّد في “الشارع اللبناني”. لكن استطلاعًا شمل 500 لبناني أُجري في أواخر آذار لم يُظهر هذا الإجماع. إذ عارض 42% السلام مع إسرائيل، بينما أيده 32%، وبقي 25% مترددين. وفي بلد تُفرض فيه هذه القيود، يُعدّ اقتراب نسبة المؤيدين من الغالبية أمرًا لافتًا.

في المجتمعات الحرة، لا ينبغي اعتبار الرأي العام عنصرًا ثابتًا من الهوية الوطنية، بل يجب أن يتشكّل من خلال النقاش المفتوح ومصالح الناس. وإلغاء قانون المقاطعة لعام 1955 قد يتيح أخيرًا لأنصار السلام التعبير بحرية وشرح أسباب إنهاء هذه العزلة التي فرضها لبنان على نفسه.

وتفيد تقارير بأنّ الولايات المتحدة تضغط على لبنان لإلغاء هذا القانون ضمن إطار المحادثات الجارية مع إسرائيل. ومع أن هذا الضغط الخارجي مرحّب به، فإن القرار النهائي يبقى بيد البرلمان اللبناني. وإلغاء هذا القانون القديم سيكون تأكيدًا على سيادة لبنان وحريات شعبه، إذ لا يحق للدولة في بلد حر أن تملي على مواطنيها مع من يتحدثون.

هذا لا يعني التخلي عن المخاوف الأمنية المشروعة. فالقوانين التي تعاقب على الخيانة تبقى ضرورية، وأي لبناني يقدّم دعمًا ماديًا لإسرائيل ضد بلاده يجب أن يُحاسب. لكن مجرد التحدث إلى إسرائيليين أو زيارتهم لا يُعد خيانة.

في المقابل، فإنّ إعلان الولاء لقوة أجنبية، مثل الحرس الثوري الإيراني، يُعد خيانة صريحة. وينبغي أن يُجبر حزب الله ومقاتلوه على الاختيار: إما قطع علاقاتهم مع طهران أو مواجهة الملاحقة. وعلى لبنان أن يقف على مسافة واحدة من إسرائيل وإيران وسائر دول المنطقة.

إنّ إلغاء قانون المقاطعة لعام 1955 سيكون بمثابة خطوة تحرّر وطني، إذ يحرّر اللبنانيين من أيديولوجيا قديمة تُفرض بالقوة لا بالقناعة. فإذا كان العداء لإسرائيل واسعًا وطبيعيًا كما يُقال، فسيستمر من دون قانون. أما إذا لم يكن كذلك، كما تشير المعطيات، فقد تبدأ مرحلة من الانفتاح والتواصل.

ويؤكد حزب الله أنه يتحدث باسم الشعب، لكن الوقت قد حان ليتحدث اللبنانيون بأنفسهم.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us