التقسيم القانوني للمجال البحري: لمن تعود ملكيّة البحار؟

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:
في ظلّ استمرار التحوّلات الدبلوماسية في شرق البحر الأبيض المتوسط، لا سيّما ما يتّصل بترسيم الحدود البحرية، وإبرام اتفاقيات الطاقة، تعود مسألة السيادة على البحر وموارده إلى الواجهة، بحدّة متزايدة.
مرجعية مونتيغو باي
لا يُعتَبر البحر فضاءً خارجًا عن القانون. فمنذ اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982، المعروفة باتفاقية مونتيغو باي، أصبح تنظيم الفضاءات البحرية محكومًا بإطار قانونيّ دوليّ دقيق، يهدف إلى ضبط حقوق الدول وواجباتها، لا إلى إقرار ملكية مطلقة للبحار.
ويندرج لبنان ضمن هذا الإطار، إذ صادق على الاتفاقية عام 1995، ما يشكّل الأساس القانونيّ الّذي يستند إليه في ممارسة حقوقه وسيادته على مياهه، وموارده البحرية.
غير أنّ هذه السيادة ليست واحدة أو مطلقة، بل تقوم على تقسيم تدرجيّ محكم يحدّده القانون الدوليّ، بحيث تتوزّع الحقوق بحسب الابتعاد عن السواحل.
فعلى امتداد اثنيْ عشر ميلًا بحريًّا، تمتدّ المياه الإقليمية حيث تمارس الدولة سيادة شبه كاملة، شبيهة بتلك الممارسة على الإقليم البريّ. يلي ذلك النطاق المتاخم (من 12 إلى 24 ميلًا بحريًّا)، حيث تحتفظ الدولة بصلاحيات محدودة تتعلق أساسًا بالرقابة، والأمن، ومنع المخالفات.
أمّا المنطقة الاقتصادية الخالصة، الّتي قد تمتد حتى مئتيْ ميل بحريّ، فتمنح الدولة حقوقًا سيادية على استكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها، من دون أن ترقى إلى مستوى السيادة الكاملة على الفضاء البحريّ.
ويأتي الجرف القاريّ ليُكمل هذا النظام، إذ يتيح للدولة حقوقًا على قاع البحر وباطنه، وقد يمتدّ في بعض الحالات إلى ما بعد حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة، وفق المعايير الجيولوجية المعتمدة دوليًّا.
وخلاصة القول، لا يخضع البحر لملكية دولة واحدة، بل يُنظَّم عبر طبقات قانونية متدرّجة، تُحدَّد فيها الحقوق بدقّة، وتبقى دائماً جزئية، ومقيّدة بأحكام القانون الدوليّ.
حالة لبنان: بحرٌ مشترك ومجالٌ متنازع عليه
في البحر الأبيض المتوسط، يؤدّي ضيق الحوض البحريّ إلى تداخل طبيعيّ في الامتدادات البحرية بين الدول، ما يجعل الترسيم الأحاديّ للحدود البحرية أمرًا غير قابل للتحقق، سواء من الناحية القانونية أو الواقعية.
ويشكّل لبنان نموذجًا واضحًا لهذا التعقيد، إذ يتقاسم حدوده البحرية مع عدد من الدول، أبرزها إسرائيل جنوبًا، وسوريا شمالًا، من دون التوصّل إلى تسويات نهائية شاملة في جميع النقاط الحدودية.
وتعكس النزاعات المرتبطة بالبلوكات الغازية، لا سيما في الجنوب، هذا التداخل الحاد في المصالح والحقوق. غير أنّ الإشكال لا يقتصر على الموارد الطبيعية، إذ قد تشمل هذه المناطق أيضًا مواقع ذات قيمة تاريخية أو أثرية، تصبح ملكيّتها محل نزاع فوريّ بمجرد اكتشافها.
يسود في المياه الإقليمية اللبنانية (حتى 12 ميلًا بحريًّا)، مبدأ السيادة الكاملة للدولة، بما في ذلك الاكتشافات الأثرية. إذ يقرّ قانون الآثار بخضوع جميع الممتلكات الأثرية، بريّة كانت أم بحرية، لسلطة الدولة عبر المديرية العامة للآثار.
أمّا في المنطقة المتاخمة (من 12 إلى 24 ميلًا بحريًّا)، فتتقلّص صلاحيات الدولة، لكنها تحتفظ بحق التدخل عند وجود تهديد لموقع أثري ذي قيمة، عبر إجراءات رقابية، أو تدابير وقائية قد تفرضها الضرورة.
ومع التقدّم نحو المنطقة الاقتصادية الخالصة (حتى 200 ميل بحريّ)، يكتسب الإطار القانوني المزيد من التعقيد: فالدولة تتمتّع بحقوق سيادية على الموارد الطبيعية، لكنها لا تملك سيادة كاملة على الممتلكات الثقافية المغمورة. وبالتالي، لا يعود أي حطام أثريّ مُكتشَف في هذا النطاق، تلقائيًّا، إلى الدولة، وإن احتفظت بحقّ المطالبة بحمايته، أو المساهمة في تحديد طبيعته وأصله.
أما في أعالي البحار، فلا مجال لأي ادّعاء بالملكية الوطنية الحصرية، حيث تخضع هذه الفضاءات لقواعد التعاون الدوليّ، لا سيّما اتفاقية اليونسكو لعام 2001 بشأن حماية التراث الثقافيّ المغمور بالمياه.
وهكذا، يتبيّن أنّ البحر لا يُختزل في مفهوم الملكية، بل يُدار عبر منظومة قانونية دقيقة، تُوزّع الحقوق وتضبطها، في فضاء تبقى فيه السيادة نسبية، ومشروطة، ومتغيرة.
مواضيع ذات صلة :
تصعيد إسرائيلي عند الحدود البحرية… ومصير مجهول لصياد لبناني! | الحدود البحرية على طاولة البيسري | رئاسة الجمهورية عن مفاوضات الترسيم: لا تنازلات ولا صفقات |




