الرّبو: لبنان على وشك الاختناق!

ترجمة هنا لبنان 6 أيار, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتب مكرم حداد لـ”Ici Beyrouth“:

بمناسبة “اليوم العالمي للرّبو”، الذي يُحتفل به اليوم الثلاثاء في الخامس من أيار، تأتي الرسالة الدولية واضحة: لا يقتصر الرّبو على السعال، أو الصفير، أو الحساسيّة الموسميّة، بل يطرح أيضًا مسألة الوصول إلى أجهزة الاستنشاق، والتلوّث، والتدخين، والمولّدات، والغبار، وفي لبنان، مسألة هواء بات أكثر عدوانية بفعل الحرب الإسرائيلية ضدّ حزب الله على الأراضي اللبنانية.

لا يشكل الرّبو مجرّد اضطراب تنفسي بسيط، بل هو مرض التهابي مُزمن يُصيب الشعب الهوائية. تُصبح المسالك التنفسية شديدة الحساسية، وتضيق، وقد تنتج مخاطًا زائدًا، ما يُعيق تدفق الهواء. والنتيجة: سعال مستمر، أو صفير في التنفّس، أو ضيق في الصدر أو في التنفّس، أو استيقاظ ليلي، أو انزعاج بسبب الجهد.

في العالم، لا يزال عبء المرض كبيرًا. وفق منظمة الصحة العالمية، أصاب الرّبو نحو 363 مليون شخص في عام 2023، وتسبّب في 442 ألف وفاة. وهو أكثر الأمراض المزمنة شيوعًا لدى الأطفال. مع ذلك، يمكن في الكثير من الحالات السيطرة على الرّبو عبر علاج مناسب، وتقنية استنشاق صحيحة، ومتابعة منتظمة.

هذا العام، يُركّز اليوم العالمي للرّبو، الذي تنسّقه المبادرة العالمية للرّبو، على مسألة أساسية: توفير أجهزة الاستنشاق المضادّة للالتهاب لجميع المصابين بالرّبو. والرسالة واضحة: ليس الرّبو نوبة عابرة تحتاج إلى التخفيف من حدّتها، بل التهابًا مزمنًا يتعيّن السيطرة عليه.

التخفيف منه لا يعني السيطرة عليه

غالبًا ما يكمن سوء الفهم الكبير في استخدام أجهزة الاستنشاق، إذ يعتبرها الكثير من المرضى أدوية إسعاف، للاستخدام عند “ضيق التنفس” فحسب. لكنّ الرّبو يعمل غالبًا على مستويَيْن: النّوبة الظاهرة التي تقطع النفس، والالتهاب المزمن الكامن الأكثر هدوءًا، الذي يجعل الشعب الهوائية مهيّأةً للتفاعل مع أي محفّز.

لهذا السبب، تؤدّي العلاجات الوقائية طويلة الأمد، لا سيما عند وصف الكورتيكوستيرويدات المستنشقة، دورًا أساسيًّا. فهي لا تقتصر على تهدئة الأعراض، بل تقلّل من خطر النوبات الحادّة، واللجوء إلى الطوارئ، والاستشفاء، والمضاعفات التي يمكن تفاديها.

في لبنان، تمرّ هذه المعركة أيضًا عبر الصيدليّات. ويُذكّر الدكتور عبد الرحمن مرقباوي، نقيب الصيادلة في لبنان، بأنّ النقابة “ليست غائبة” عن هذه المناسبة. وقد نشر عبر منصّاته سلسلة توصيات تهدف إلى التذكير بدور الصيدلي في السيطرة على الرّبو: التحقّق من العلاجات، وشرح الفرق بين العلاج الوقائي طويل الأمد وعلاج الإسعاف، وتصحيح تقنية الاستنشاق، وتشجيع الالتزام بالعلاج، وإحالة المريض إلى الطبيب عند تكرار الأعراض.

هذه النقطة ليست ثانويةً، فالاستخدام الخاطئ لجهاز الاستنشاق، أو إيقاف العلاج مبكرًا، أو الإفراط في استعمال بخّاخ الإسعاف قد يحوّل مرضًا قابلًا للسيطرة إلى سلسلة من النوبات. في الرّبو، الدواء مهم، لكن طريقة استخدامه لا تقلّ أهمية.

لبنان: مرض شائع لكنّه غير محدد بدقة

لا يملك لبنان سجلًّا وطنيًا حديثًا وشاملًا، يسمح بمتابعة الرّبو بشكل دقيق. الأرقام المتوافرة متفرّقة، لكنّها متقاربة. فقد قدرت دراسة وطنية، نُشرت عام 2021 لدى البالغين اللبنانيّين من عمر 16 عامًا فما فوق، أنّ نسبة انتشار الرّبو المشخّص طبيًا تبلغ 6.7%، بينما تبلغ نسبة الرّبو الحالي 5%. وفي عام 2019، وفي خلال حملة وطنية لمراقبة الرّبو، قدّرت وزارة الصحة نحو 9% من البالغين المصابين بالرّبو في لبنان، مع التشديد منذ ذلك الحين على العلاقة بين الرّبو، والحساسيّة، والتلوّث.

هذا الرابط أساسي. ففي لبنان، غالبًا ما يترافق الرّبو مع التهاب الأنف التحسّسي، والعطاس، والسعال المزمن، وحكة العينين، وتهيّج الحلق. وعندما يكون الأنف ملتهبًا، لا تتأخر الشعب الهوائية في التأثر أيضًا.

الحساسية والمناخ والتلوث: البيئة اللبنانية

في تحقيق سابق، كان موقع “Ici Beyrouth” قد تناول تزايد الحساسية الموسميّة في لبنان. ففي الربيع والخريف، يساهم الغبار، وحبوب اللقاح، والعفن، والرطوبة، في تفاقم النوبات. وقد تتشابه الأعراض مع العدوى الفيروسيّة، إنمّا من دون حمى: سيلان الأنف، أو تهيّج العينين، أو السعال، أو ضيق في التنفس، وأحيانًا صفير تنفّسي، أو نوبة ربو.

تزيد التغيّرات المناخية من تفاقم هذا المشهد. فارتفاع درجات الحرارة يُطيل مواسم انتشار حبوب اللقاح، ويعزّز إنتاجها، ويجعل الحساسية أكثر استمرارية. وفي المدن، تبقى حبوب اللقاح معلقة في الهواء لفترات أطول، بينما تزيد الجُسيمات الدقيقة النّاتجة عن حركة السير والمولدات من تهيج المسالك التنفسية، وتفاقم التفاعلات التحسسية.

وإلى هذا البعد الموسمي، يُضاف الواقع اليومي اللبناني: مولّدات الديزل، والازدحام المروري، والشوارع الضيقة، وأسطول من السيارات القديمة، ونفايات تحرق أحيانًا، وهواء راكد. وقد أظهرت أبحاث في الجامعة الأميركية في بيروت أن الجُسيمات المنبعثة من بعض مولّدات الديزل المنزلية هي في معظمها شبه فائقة الدقة، وقادرة على الوصول إلى أعمق المناطق في الرئتين. وفي بلد جعلت فيه أزمة الكهرباء المولدات شبه ضرورية، بات هذا التلوث جزءًا من المشهد التنفسي اليومي.

وكان موقع “Ici Beyrouth” قد أشار أيضًا إلى عبء الازدحام المروري في هذا الاختناق الحضري. فحركة السير تُعتبر مصدرًا رئيسيًا للتلوّث، يتفاقم بفعل كثافة المركبات، وتقادم أسطول السيارات، وتأثير الوادي الحضري النّاتج عن الشوارع الضيّقة المحاطة بمبانٍ مرتفعة. وفي هذه الظروف، تبقى الملوّثات محصورةً على مستوى الإنسان، وبالتالي على مستوى الشعب الهوائية.

الحرب… طبقة سامّة إضافية

إلى هذا التلوّث المزمن، أضيف تلوّث الحرب. منذ التصعيد الذي شهدته الحرب بين إسرائيل وحزب الله على الأراضي اللبنانية، خلّفت الغارات، والحرائق، وتدمير المباني، ودخان الاحتراق، وغبار الركام، ونزوح السكان، بيئةً أشد عدوانيةً على المسالك التنفسية.

ينبغي توخي الحذر: ما من سجلّ عام، في هذه المرحلة، يتيح تحديد الزيادة الدقيقة في نوبات الرّبو المرتبطة بالحرب. لكن الواقع التنفسي تدهور بشكل واضح.

توضح الدكتورة كارول يواكيم، اختصاصيّة أمراض الرئة والحساسية، أنّ الدخان الناتج عن الغارات، أو الحرائق، ليس مجرّد دخان عادي، بل مزيج معقّد قد يحتوي على جُسيمات دقيقة، وغازات مهيّجة، وبقايا احتراق مواد منزلية: بلاستيك، ودهانات، وأسلاك، وأثاث، وأقمشة، وأجهزة كهربائية. ومن دون قياسات دقيقة، يستحيل معرفة ما يتنشّقه السكّان بالضبط. لكن رائحة الاحتراق تعكس، عندما تكون قوية ومستمرّة، تعرّضًا ملحوظًا وكافيًا كي يتسبب في تهيّج العينين، والحلق، والشعب الهوائية.

وعند مرضى الرّبو، قد ينتج عن هذا النوع من التعرض سعال، أو صفير تنفسي، أو ضيق في الصدر أو في النفس، أو نوبة ربو. ويشكّل الأطفال، وكبار السن، وسكان المناطق المتضررة، والنازحون المقيمون في أماكن سيئة التهوئة، الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة.

تزيد الحرب من تفاقم الرّبو بشكل غير مباشر بسبب عوامل متعددة كالتوتّر، والنزوح، والرطوبة، والاكتظاظ، وتوقف العلاجات، وصعوبة الوصول إلى الطبيب أو الصيدلية، والتعرّض لمحفّزات جديدة في أماكن الإيواء. وهكذا، يجد مريض الرّبو نفسه مُطوّقًا: المرض، والهواء، والخوف، وأحيانًا توقّف المتابعة الطبية.

التدخين وتناول الأدوية من دون استشارةوسوء الاستخدام

مع ذلك، لن نلقي باللوم على الهواء منفردًا. فالتبغ يبقى عاملًا رئيسيًا، خصوصًا عند الأطفال المعرّضين للتدخين السلبي. ويشكّل تناول الأدوية من دون استشارة طبية مشكلة إضافية، إذ يخلط الكثير من المرضى بين الحساسية، والإنفلونزا، والتهاب الشعب الهوائية، وكوفيد، والسعال ما بعد العدوى الفيروسية، والرّبو. كما يستخدم آخرون جهاز الاستنشاق بشكل خاطئ، أو يوقفون العلاج الوقائي طويل الأمد بمجرّد تحسّن حالتهم، أو يُفرطون في استعمال بخّاخ الإسعاف، أو يخشون الكورتيكوستيرويدات المستنشقة نتيجة الخلط بينها وبين الكورتيكوستيرويدات التي تؤخذ عبر الفم أو الحقن.

أمّا الرّبو غير المضبوط جيدًا، فيعرف بسهولة: اللجوء المتكرّر إلى بخّاخ الإسعاف، أو الاستيقاظ الليلي، أو الانزعاج بسبب الجهد، أو السعال المستمر، أو النوبات المتكرّرة، أو التوجّه إلى الطوارئ، أو الإحساس بعدم التعافي كلّيًا بعد عدوى، أو غبار، أو تعرّض للدخان.

لذلك يتعيّن أن تكون الرسالة الطبية واضحة: الرّبو الذي يظهر مرارًا ليس قدرًا محتومًا. إنه إشارة. لذلك يتعيّن مراجعة التشخيص، والتحقّق من تقنية الاستنشاق، وتكييف العلاج، وتحديد المحفّزات، ووضع خطة عمل مع الطبيب.

علاج الشعب الهوائية… والهواء كذلك!

على المستوى الفردي، يمكن أن تقلّل بعض العادات من النوبات: الالتزام بالعلاج الوقائي طويل الأمد عند وصفه، وعدم الاكتفاء ببخاخ الإسعاف، وتجنّب التدخين، والتأكّد من صحة تقنية الاستنشاق، والحدّ من التعرّض للغبار، والتهوئة في الوقت المناسب، وتجنّب الجهد في أثناء ذروة التلوّث، ومراجعة الطبيب سريعًا عند حدوث ضيق غير معتاد في التنفس.

ولكن في لبنان، لا يمكن أن تكون الاستجابة فردية فحسب، فمطالبة مريض الرّبو بتوخي الحذر في بلد يضم كمًّا من المولّدات، وازدحامًا، ودخان حرب، وغبارًا، ومساكن رطبة، يشبه المطالبة بالتنفّس من فتحات شبكة ضيقة.

لذلك يذكّر اليوم العالمي للربو بحقيقة أساسيّة: قد ينقذ جهاز الاستنشاق شعبة هوائية من أزمة تصيبها، لكن الهواء المستنشق يبقى علاجًا جماعيًّا. وفي لبنان، يبقى هذا العلاج بعيدًا عن المستوى المطلوب.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us