لبنان: حين تواجه الحقيقة منظومة الكذب المنظَّم

ترجمة “هنا لبنان”
كتب David Sahyoun لـ”Ici Beyrouth“:
في مجال الرعاية، تبدو معضلة الصّدق والكذب حسّاسةً للغاية، إذ كثيرًا ما يتزيّن الكذب بثوب الرّفق. فالامتناع عن القول، هو بمثابة الحماية. أمّا القول، فهو التخويف. وفي الحقيقة، ليس المطلوب الاختيار بين القسوة والصمت، إنّما مساءلة موقع المُعالِج: مَن يتكلّم؟ وما هي غايته؟
أظهر س. فيرنزي، الّذي فكّر مطوّلًا بالصدمة والثقة بالآخر، إلى أيّ حدٍّ تتوقّف الحقيقة على مناخٍ علائقيّ. فالمريض ليس مجرّد وعيٍ يتلقّى معلومة، بل هو ذاتٌ تختبر الإعلان في جسدها، وفي مخيّلتها، وفي وحدتها. ومن هنا، قد يتحوّل الكلام الّذي يقول “كلّ شيء” من دون توجيه، أو مخاطبة، إلى تكرارٍ للعنف. وفي المقابل، قد لا يشكّل الصمت، أو الكذب اللّذان يدّعيان الحماية، سوى تجنّبٍ من المُعالِج، أي وسيلةً للدفاع ضدّ ضيق الآخر، وضدّ عجزه هو أحيانًا، وبالتالي ترك الذّات في اللحظة الّتي تكون فيها بأمسّ الحاجة إلى رابطٍ ومرافقةٍ.
ومع و. بيون، تكتسب المسألة عمقًا إضافيًّا. إذ يصف هذا المحلّل النفسيّ التفكير بالقدرة على تحويل الخبرة الخام إلى عناصر قابلة للاحتمال. والحقيقة هنا ليست معطًى، بل مادّةً يتعيّن استقبالها. وحين يكذب المُعالِج، يحرم المريض من إمكان بلورة التفكير، وينتج جهلًا مفروضًا. ولكن حين يقول الحقيقة من دون مراعاة قدرات المريض النفسيّة، يسكب واقعًا غير مُحوَّل. وفي الحالتيْن، تُمسّ الأخلاق، لأنّ الآخر غير مُعترَفٍ به كذات.
لا يتعلّق الأمر بالدفاع عن “حقٍّ في السرّية” لدى المُعالِج بشأن حياة المريض، بل بالدفاع عن حقيقةٍ لا تُختزل في كونها معلومة مُخبِرة، بل تتجاوز ذلك لتكون حقيقةً مُؤنْسِنةً. يفتح أيّ قولٍ فضاءً للكلام، ويُتيح للمريض أن يطرح الأسئلة، وأن يفاوض المعنى، وأن يستعيد جزءًا من قدرته على التفكير والفعل. فقول الحقيقة في مجال الرعاية هو فعل مسؤوليّة، لأنّه فعل يُشرك صدق العلاقة، ويؤسّس لأصالتها.
حذّرت التحليلات النفسيّة أيضًا من نزعةٍ أخرى أكثر خفاءً، تتمثّل في الاعتقاد بأنّ “قول الحقيقة” يكفي لإحداث الخير. وقد تحدّثت بييرا أولاينييه عن “عنف التأويل”، وهو اللّحظة الّتي تُفرض فيها الكلمة على الذّات كما لو كانت تعرف عنها أكثر ممّا تعرفه هي عن نفسها، فتسلبها إمكان بناء معناها الخاص. ويمكن أن نجد هذا العنف في العيادة، كما في المجتمع، حين تشرح الخبرة، أو المؤسّسات، أو الوسائط الإعلاميّة للذّات ما ينبغي لها أن تشعر به، أو تفكّر فيه. وبهذا المعنى، قد تتحوّل ثقافة الحقيقة إلى ثقافة تفتيش، واعتراف، وكشف، تُلزم الذّات بسرد نفسها، وتبريرها، وإثبات نقائها، وتقديم حسابٍ عنها. وهكذا، تختلط الحقيقة بما هو مكشوف، ويُغفَل أنّ الحقيقة في التّحليل النفسيّ ليست كشفًا للسرّ، بل تحوّلًا في الوضعيّة الذّاتيّة.
شدّد لاكان على رغبة المحلّل، لا بوصفها رغبةً شخصيّةً، بل توجّهًا أخلاقيًّا: ألّا يريد خير الآخر بدلًا منه، وألّا يعرف بدلًا منه، وألّا يسحقه بحقيقة تتحوّل إلى حكم. وينطبق هذا التوجّه، مع ما يلزم من اختلاف، على كلّ موقع سلطة يتوجّه إلى جماعة. إذ يتحمّل السّياسي، والطبيب، والاقتصاديّ، والصحافيّ، مسؤوليّةً جسيمةً فور التكلّم من موقعٍ يكون فيه الآخر قابلًا للخضوع.
تتجلّى مسألة الحقيقة أيضًا في أشكال الإقناع المُعاصرة، أو في “التنمية الذّاتيّة”. فلم يعد الأمر يقتصر على الأكاذيب الصارخة، بل على سرديّات تنظّم الواقع وفق أهدافٍ مُخطَّطٍ لها. وقد صاغ لاكان فكرة خطابٍ رأسماليًّ يختصر الانقسام الذاتيّ، ويَعِدُ بإشباعٍ من دون نقص، وحلٍّ من دون خسارة. وهذه الوعود، حين تستعمر النفس، والاقتصاد، وبعض الصناعات، تحوّل الحقيقة إلى سلعةٍ. فلا يُسأل عمّا هو عادل، بل عمّا يُطمئن، وما يُباع، وما يُستهلك.
بهذا المعنى، لا يعود الكذب مجرّد خطأ أخلاقيّ، بل يصبح تقنيةً من تقنيات التكيّف الجماعيّ. تُروى للجمهور حكايةٌ تُخفّف من قتامة الواقع، ثمّ يُستغرَب تعلّق هذا الجمهور بتلك الحكاية، حتّى حين تبدأ بالتصدّع. عندها تقترح التحليلات النفسيّة فرضيّةً مفادها بأنّ المجتمع قد يُنتج الخيالات الّتي يحتاجها للهروب من واقعه الخاص، ويُحافظ عليها، سواء كان الواقع تاريخيًّا، أو سياسيًّا، أو حميميًّا.
هنا تصبح المسألة الأخلاقيّة مسألةً ثقافيّةً بالمعنى القويّ للكلمة. فالثقافة تُقاس بقدرتها على تحمّل الواقع من دون الانزلاق إلى الأسطرة. ولا يعني قول الحقيقة، في أيّ ثقافة، إنتاج شفافيّةٍ كاملةٍ، بل خلق فضاءات يمكن فيها أن يُصاغ واقعٌ ما، ويُناقَش، ويُعارَض. إنّه قبول ألّا يقوم الرابط الاجتماعيّ على الوهم، بل على قدرٍ من النضج الرمزيّ.
فهل يتعيّن إذًا قول الحقيقة؟ نعم، إذا أُخذت في نسبيّتها، وإذا فُهِم بذلك رفض الكذب بوصفه أسلوب حكم، ورفض التلاعب بوصفه قاعدة، ورفض الوصاية الأبويّة الّتي تقرّر عن ذاتٍ تُعامَل كطفلٍ، ما ينبغي أن تشعر به أو تفكّر فيه. نعم، إذا كان قول الحقيقة يعني استعادة كرامة المواطن أو المريض، أي حقّه في الاعتراض، وفي التّموقع في عالمٍ يتمتّع فيه الكلام بثقله الكامل، إنّما مع كلامٍ يعترف في الوقت عينه بهشاشته.
ولكن لا، إذا أسأنا التفرقة بين الحقيقة والشمول، لأنّ هذه الحقيقة المزعومة تحوّلت إلى سلاح، وإلى تطهير، وإلى استعراض، وإلى تلاعب. وعندما ننسى أنّ الحقيقة هي عمليّة، وهي تقدّمٌ جزئيّ يفترض توجيهًا وزمنًا. يذكّر التحليل النفسيّ بأنّ أخطر أنواع الكذب ليس دائمًا اختلاق واقعٍ ما، إنّما محو الانقسام الذاتيّ، الّذي يقدّم الكلمة بوصفها طبيعيّة، وبديهيّة، وغير قابلة للنقاش، كما في كلّ تموضعٍ شموليٍّ.
الأخلاق في هذه الحالات، هي حين يعترف الآخر بانقسامه الخاص، ويحترم مخاطبه بوصفه ذاتًا. أي أنّه لا يعامله كطفلٍ يتعيّن تهدئته، ولا كموضوعٍ يتعيّن تقديمه، ولا كجمهورٍ يتعيّن توجيهه. بل يقبل أنّ الكلمة تُلزم، ويقبل أنّ قول الحقيقة ينطوي على خسارة، لأنّ الحقيقة لا تُقال أبدًا من دون التخلّي عن متعة السيطرة على الآخر.
في بلدٍ مثل لبنان، حيث أصبح الكذب أمرًا تافهًا، وفي عالمٍ تُباع فيه السرديّات كما تُباع السلع، يمكن صياغة الضرورة الأخلاقيّة على النحو الآتي: لا يتعلّق الأمر بالمطالبة بحقيقة مطلقة، بل برفض تصنيع عدم المسؤوليّة على نحوٍ صناعيٍّ، والكفّ عن جعل الصمت قاعدةً مُنظَّمةً، ومقاومة التلاعب بأفكار الذّوات ومشاعرها. ولا يتعلّق الأمر إطلاقًا بالوعظ، بل بإعادة اللّغة إلى وظيفتها الأثمن، تلك الّتي تسمح للثقافة بألّا تتفكّك في المحاكاة، وللذّات بأن تحافظ على حسّها النقديّ، أي ألّا تتخلّى عن التفكير بذاتها.
مواضيع ذات صلة :
الكذب كأداة للتّلاعب في لبنان | 1 نيسان.. كيف بدأ العالم بالكذب؟ | تطوير أداة قادرة على كشف الكذب.. الذكاء الاصطناعي قد يفعلها |




