بروتوكول تفاهم أميركيّ – إيرانيّ: أي سيناريوهات بعد ردّ طهران المنتظر؟

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:
بروتوكول تفاهم بسيط من صفحة واحدة تتمحور حول المستند الموجز الّذي أرسلته واشنطن إلى طهران، تهدئة ممكنة بين إيران والولايات المتّحدة، بعد أسابيع من التوترات العسكرية حول مضيق هرمز، والملف النوويّ الايرانيّ.
في اليوم التالي لتأجيل عملية “مشروع الحرية”، الّتي أطلقها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في الرابع من أيار، ما زالت الإدارة الأميركية تنتظر ردًّا إيرانيًّا على بروتوكول التفاهم (“Memorandum of Understanding”) أو (MOU) المُرسَل إلى طهران. وقد قُدِّم هذا النص كإطار عام يهدف إلى فتح الطريق أمام مفاوضات أكثر تفصيلًا، وكان من المفترض، أساسًا، أن تردّ عليه إيران في خلال مهلة ثمانٍ وأربعين ساعة.
مضمون بروتوكول التفاهم
لا يشكّل المستند الّذي أرسلته واشنطن إلى طهران، في هذه المرحلة، اتفاقًا مكتملًا، بل بالأحرى قاعدةً للنقاش تهدف إلى اختبار إمكان التوصل إلى تسوية أوسع. “قدّم الأميركيون ما يُسمى (مذكرة تفاهم)، أي بروتوكول تفاهم في عالم الأعمال”، يوضح رئيس تحرير مجلة “Orients stratégiques”، والمتخصّص في الشرق الأوسط، ديفيد ريغوليه-روزي. “النص موجز جدًّا، لا يتجاوز الصفحة الواحدة، ويقتصر على عرض المعايير الأساسية فحسب”.
يبرز في قلب هذه المباحثات، قبل كل شيء، الملف النوويّ الإيرانيّ، فضلًا عن مسألة مضيق هرمز الاستراتيجية، الّتي أصبحت حاسمةً منذ التوترات البحرية الأخيرة. ووفق روزي، يتعمّد النص الغموض في عدد من النقاط الحساسة. “ما من تفاصيل تتعلّق بتقييد البرنامج الصاروخيّ الايرانيّ، على ما يبدو. وأساس الفكرة هو تثبيت إطار عام قبل الانتقال إلى اتفاق فعليّ”.
لكنّ مواقف الطرفيْن اليوم متباعدة إلى حدّ كبير. إذ تطلب واشنطن، من بين أمور أخرى، أن تسلّم إيران نحو 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، كما تفرض تجميدًا طويل الأمد على برنامج التخصيب النوويّ الايرانيّ. “بعد أن تحدّث الأميركيون، في البداية، عن تجميد لمدة 20 عامًا، يشيرون اليوم إلى ما بين 12 و15 عامًا على الأقل. في المقابل، طرح الإيرانيون مدة لا تتجاوز خمس سنوات”، يوضح روزي.
في المقابل، ينصّ البروتوكول على تخفيض العقوبات الأميركية بشكل تدريجيّ، والإفراج عن جزء من الأصول الايرانية المجمّدة في الخارج، وتخفيف القيود المفروضة حول مضيق هرمز. مع ذلك، لا يتعدّى النص في هذه المرحلة محاولة لتحديد مبادئ عامة دنيا، من دون الخوض في التفاصيل التقنية الأكثر حساسية في المفاوضات. والسؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت طهران مستعدّة لاعتماد الإطار الّذي تقترحه واشنطن، ولو جزئيًّا؟ والأهم، ما هو هامش المناورة الحقيقيّ الّذي يملكه النظام الايرانيّ في ظلّ انقسامات داخلية حادة، وضغوط عسكرية متزايدة؟
السيناريوهات المختلفة
تبقى الاستجابة الايرانيّة صعبة التوقّع، أولًّا لأنّ السلطة في طهران تعمل ضمن بنية معقدة، تتداخل فيها مراكز القرار.
“لا يتّخذ القرارات شخص واحد”، يوضح روزي. “يبدو المرشد الأعلى اليوم غائبًا لدرجة كبيرة، أو حتى ضعيفًا بشكل ملحوظ”. ويضيف: “من الواضح أنّ مركز القرار الفعليّ يتمثّل في مجموعةٍ يهيمن عليها الحرس الثوريّ، ويفرض خطّها، بما في ذلك على الرئيس مسعود بزشكيان”.
يفسّر هذا التشتّت في السلطة، إلى حدٍّ كبير، التردد الايرانيّ، على الرغم من تصاعد الضغط الاقتصاديّ والاستراتيجيّ.
من جهة أخرى، يبرز عنصر يحدّ من فرضية الانسداد الكامل: إذ تتقاطع مصالح الطرفيْن اليوم، بشكل مفارق، حول شكل من أشكال التهدئة. بالنسبة إلى واشنطن، تمثّل أزمة مضيق هرمز تهديدًا مباشرًا للاقتصاد العالميّ، كما لاستقرار سوق الطاقة الأميركية. ويذكّر الخبير: “في الولايات المتحدة، تجاوز سعر غالون البنزين أربعة دولارات، وهو مستوى حسّاس من الناحية السياسية، في الثقافة الاستهلاكية الأميركيّة”.
أمّا من الجانب الإيرانيّ، فالضغط أيضًا هائل، إذ يؤدي الحصار الأميركيّ إلى تعطيل صادرات النفط الايرانية بشكل كبير. ويوضح روزي: “أشار البيت الأبيض إلى أنّ خسائر الحرس الثوريّ المالية بلغت مليارات متعدّدة من الدولارات منذ تطبيق الحصار الأميركيّ”.
وفي هذا السياق، تجد إيران نفسها مضطرةً حتى إلى تقليص إنتاجها النفطيّ، تدريجيًّا، بسبب صعوبة التصدير. ويشير روزي: “الآبار تمتلئ. وعندما يتوقف استخراج النفط مؤقتًا، قد يصبح من الصعب جدًا إعادة تشغيلها بسبب تسرّب المياه إلى البنية الجيولوجية”.
مع ذلك، هذا التراجع الاقتصاديّ لا يعني انهيارًا فوريًّا. فوفق تقييم سريّ، أعدّته وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، وكشفت عنه صحيفة “واشنطن بوست”، طهران قادرة على الصمود لأشهر متعدّدة بعد، على الرغم من العقوبات والحصار البحريّ الأميركيّ، ما يطيل حالةً مضبوطةً من التوتر، إنّما غير مستقرة.
مضيق هرمز في قلب المواجهة
تتمحور نقطة أساسية أخرى في المفاوضات حول مضيق هرمز، الممر الاستراتيجيّ الّذي يعبره جزء كبير من النفط العالميّ.
والجدير بالذكر أنّه، وعند إطلاق “مشروع الحرية” الّذي يهدف إلى مرافقة السفن التجارية في الخليج، جرى تعليق العملية سريعًا عقب توترات دبلوماسية مع دول الخليج، ومحادثات غير مباشرة مع طهران.
وبحسب روزي، أبدت الرياض والكويت امتعاضًا من بعض القرارات الأميركية المتّخذة من دون تنسيق مسبق. وأكّد: “شعرت الدول النفطية بأنّها وُضعت أمام الأمر الواقع في ما يتعلق باستخدام الولايات المتّحدة لقواعدها العسكرية الخاصة، من أجل تنفيذ منظومة المراقبة المرتبطة بالعملية المعلنة. وقد قيّدت مؤقّتًا استخدام بعض القواعد الأميركية، الضرورية لمراقبة المجال الجويّ في منطقة الخليج”.
وخُفّفت هذه القيود في وقت لاحق، ما أبقى احتمال استئناف العملية الأميركية قائمًا، في حال فشل المسار الدبلوماسيّ.
في المقابل، تبقى الخلافات عميقة، إذ تطالب طهران برفع مسبق للحصار الأميركيّ المضاد، وإعادة فتح مضيق هرمز فور بدء المفاوضات، وهو مطلب ترفضه واشنطن.
“بالنسبة إلى الأميركيين، يشكّل الحصار المضاد أداة ضغط أساسية في المفاوضات”، يوضح الخبير، مضيفًا أنّ الولايات المتحدة “ترى تعذّر رفع الحصار ما لم يحصل مقابل تقدّم ملموس”.
خطر تصعيد جديد
في حال فشل المباحثات، يبقى سيناريو استئناف العمليات العسكرية قائمًا بقوة.
“التصعيد قائم أصلًا، بشكل كامن”، يرى روزي، ويشير إلى الاشتباكات الأخيرة في الخليج عقب هجمات استهدفت مدمرات أميركية مختلفة، تلتها ضربات انتقامية أميركية في محيط بندر عباس، وجزيرة قشم.
وقد حذّر ترامب من أنّ غياب الاتفاق قد يؤدي إلى إعادة إطلاق العمليات العسكرية بشكل واسع.
“تكمن المشكلة في أنّ الاتفاق الّذي تطلبه واشنطن يُشبه، من وجهة نظر إيران، شكلًا من أشكال الاستسلام”، يلخّص روزي. ثمّ يضيف: “وهنا المعضلة الأساسية: تحتاج إيران إلى تخفيف العقوبات عنها، غير أنّها ترفض التخلي عمّا تعتبره حقًّا استراتيجيًّا لها في الملف النوويّ”.
حتّى الآن، يبقى البروتوكول المناقَش محصورًا في المحاور الكبرى: الملف النوويّ، والعقوبات، ومضيق هرمز. وفي طهران، تُخضع بنية السلطة أي قرار لتوازنات متعدّدة.




