ماذا تخسر طهران في حال توقيع السلام؟

ترجمة هنا لبنان 13 أيار, 2026

كتبت Bélinda Ibrahim لـ”Ici Beyrouth”:

بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية، لن يشكّل السلام مجرد نهاية صراعٍ إقليميّ، بل قد يفتح الباب أمام إعادة تفجّر الانقسامات الداخلية في البلاد. فخلف الخطاب الأمنيّ، تُشكّل الحرب أيضًا أداة ضبط سياسيّ، وذريعةً لتبرير القمع، ووسيلةً لضمان استمرارية النظام.
الحرب، بطبيعة الحال، خطرة على إيران. فقد أضعفت الضربات الإسرائيلية، والأميركيّة بعض البنى التحتية الاستراتيجية، وأدّت إلى تصفية بعض المسؤولين العسكريين، وكشفت عن هشاشة أمنية في بنية النظام. مع ذلك، ورغم هذه الخسائر، يبدو أنّ الجمهورية الإسلامية تخشى إرساء سلام حقيقيّ أكثر ممّا تخشى صراعًا طويل الأمد.
وتفسّر طبيعة النظام السياسيّ الإيراني هذا التناقض. فمنذ ثورة عام 1979، لم يُبنَ النظام على منطق التطبيع، أو الازدهار الاقتصاديّ، أو الانفتاح السياسيّ، إنّما على فكرة المقاومة الدائمة. إذ يشكّل وجود عدو خارجيّ، كالولايات المتحدة، وإسرائيل، والغرب، أو مؤامرة أجنبية، أحد أهمّ ركائز السلطة الأيديولوجية.
في هذا المنطق، لا تُعتَبر الأزمة مجرّد تهديد، بل تتحوّل إلى نمط للحكم. وكما يشير عالم الاجتماع ماكس فيبر، تميل الأنظمة الّتي تفتقر إلى شرعية ديمقراطية إلى البحث عن مصادر بديلة للتماسك. وعندما يتراجع النمو الاقتصاديّ، ويتفاقم الفقر، وتفقد المؤسسات مصداقيّتها، قد تتحوّل حالة الطوارئ إلى بديل فعليّ عن الشرعية السياسية.
وتجسّد إيران هذا النمط بوضوح. فالتوترات الإقليمية تتيح للسلطة إبقاء المجتمع تحت ضغط دائم، وتبرر عسكرة المجال العام، وتوسّع الأجهزة الأمنية، وتشديد القبضة على المعارضة الداخلية. وفي بلد تتراكم فيه آثار التضخم، والعقوبات، والانكماش الاقتصاديّ، يصبح الصراع الخارجيّ عنصرًا أساسيًّا في رواية التعبئة السياسية.
وعليه، لا يُفهم البرنامج النوويّ، والصواريخ الباليستية، والشبكات الاقليمية الحليفة، كأدوات قوة جيوسياسية فحسب، بل كجزء من بنية سلطة النظام الداخلية. فقد بنى الحرس الثوريّ جانبًا كبيرًا من نفوذه على منطق المواجهة الدائمة، ما يجعل أي تهدئة إقليمية عاملًا محتملًا لإضعاف وزنه السياسيّ والاقتصاديّ.
كما تسمح الحرب بإعادة ترتيب أولويات النقاش العام. ففي سياق المواجهة العسكرية، تتراجع قضايا الحريات، والفساد، والأزمة الاقتصادية إلى الخلفية، بينما تُعاد صياغة أي معارضة باعتبارها تهديدًا للوحدة الوطنية.
لكنّ مكمن هشاشة النظام الحقيقيّ يبقى في الداخل.
فقد أظهرت الاحتجاجات الّتي شهدتها إيران في خلال الأشهر الماضية حجم التوترات المتراكمة في المجتمع. ورغم القمع العنيف، كشفت هذه التحركات عن تعب اجتماعيّ عميق. فجزء مهمّ من السكان لم يعد يثق بخطاب النظام الأيديولوجيّ، ويعبّر عن رفض الاستبداد الدينيّ بشكل متزايد.

السلام قد يُضعف السلطة
في هذا السياق، قد يتحوّل السلام الدائم إلى إشكالية بالنسبة إلى السلطات الإيرانية. إذ ستعيد التهدئة الإقليمية إبراز الانقسامات الداخلية بشكل سريع: البطالة، والفقر، والفساد، وعدم المساواة، والعزلة الدولية، والإرهاق الاقتصاديّ.
ويبدو أنّ النظام يدرك هذا الخطر جيدًا. ففي الثامن من نيسان 2026، حذّر غلام رضا قاسميان، وهو رجل دين مقرّب من مكتب المرشد الأعلى، بشكل علنيّ، من أن يؤدّيَ أي تقليص للحضور الأمنيّ في الشوارع إلى “فتنة” جديدة. وأكّد في خطابه بأنّ “العدوّ” سيستغلّ فورًا الوضع، في حال انسحاب قوات النظام من الفضاءات العامة.
ويعكس هذا التصريح دلالة واضحة: لا زالت الدولة الإيرانية تنظر إلى مجتمعها من منظور أمنيّ بالدرجة الأولى. وتكشف المفردات المستخدمة، “أعداء”، و”منافقون”، و”فتنة” تصوّرًا، يُختزل فيه أي اعتراض داخليّ إلى تهديد وجوديّ.
وقد أدّت الحرب الحالية إلى تعطيل دينامية تعبئة كانت تتصاعد قبل اندلاعها. فقبل يوميْن من بدء الحرب، يُقال إنّ وحدات من المقاومة الإيرانية نفّذت هجومًا على مجمّع شديد التحصين، يرتبط بعلي خامنئي. وقد زاد من التساؤلات بشأن هشاشة النظام الداخلية، صمت هذا الأخير حول هذا الحادث.
كما فتحت وفاة علي خامنئي في الثامن والعشرين من شباط 2026 مرحلة من عدم اليقين. فحتى مع احتفاظ الجهاز الأمنيّ بقدرة كبيرة على السيطرة، يضعف غياب الشخصية المركزية للنظام توازنات السلطة الداخلية. وفي هذا السياق، قد يبدو استمرار بيئة الصراع وسيلة لتأجيل بعض الانقسامات السياسية.
ولا يعني ذلك أنّ الحرب لا تحمل كلفة على الجمهورية الإسلامية. فالخسائر العسكرية، والاستنزاف الاقتصاديّ، والعزلة الدولية تُضعف النظام تدريجيًّا. لكنّ التجربة التاريخية تُظهر أنّ الأنظمة السلطوية قد تكون أحيانًا أكثر قدرة على الصمود أمام مواجهة خارجية منها أمام تطبيع داخليّ.
يمكن أن تدمّر الضربات العسكرية البنى التحتية، أو تطيح بمسؤولين أمنيّين، لكنّها لا تؤدي بالضرورة إلى انهيار نظام سياسيّ قائم على جهاز قمعيّ متماسك. في المقابل، يمكن أن يشكّل مجتمع لا يعرف الخوف، ويعتمد التعبئة من جديد، ويعيد توجيه غضبه نحو السلطة، تهديدًا أعمق بكثير.
لهذا تبدو الجمهورية الإسلامية عالقة في تناقض كبير: فهي ترى في الحرب خطرًا استراتيجيًّا، لكنهّا ترى في السلام تهديدًا سياسيًّا ربّما يكون أعمق. فسلامٌ مستدام سيجبر النظام على مواجهة ما يخشاه منذ سنوات: مجتمعه الخاص.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us