لبنان وإسرائيل: الحلّ الوحيد

ترجمة هنا لبنان 14 أيار, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتب Marc Saikali لـ”Ici Beyrouth“:

ثمّة أيام يفتح فيها التاريخ طاقة أمل. وهذا الخميس، يجلس لبنان وإسرائيل إلى الطاولة عينها في واشنطن، في إطار جولةٍ ثالثةٍ من المفاوضات المباشرة الّتي تمتد على يومَيْن، بمشاركة وفودٍ موسّعةٍ تضم مسؤولين سياسيين وعسكريين من الطرفَيْن. إنّها إشارة. وربّما فرصة وحيدة، وفريدة من نوعها. أمّا الخيار الآخر، فهو دوّامة عنف لا أفق لها ولا نهاية، قد لا ينهض لبنان من بعدها أبدًا.

سيكون إبرام اتفاق سلام مُجرّدًا من معناه، إن لم تُسمَّ الأمور بأسمائها كما يدركها الجميع. فاسم المشكلة في لبنان ليست الحدود؛ ولا ترسيم الخط الأزرق؛ ولا مزارع شبعا؛ ولا حتّى ترتيبات الانسحاب الاسرائيليّ. اسم المشكلة، “حزب الله”. واسم حزب الله، “إيران”. وأي اتفاق يُحاول الالتفاف على هذه الحقيقة، اتفاق ميت في مهده. ونصّ جديد يُضاف إلى الأرشيف، ووهم جديد.

أمّا المعادلة، فموجودة. وهي بسيطة، وتكاد تكون قاسيةً من شدّة وضوحها: انسحاب إسرائيليّ من الأراضي اللبنانية المحتلّة نتيجة مغامرات الميليشيا غير الشرعية، يُقابله نزع سلاح حزب الله بشكل كامل. التزامان متوازيان. وسيادتان مُحترَمتان. فلا مصلحة لإسرائيل في إبقاء جنودها على الأراضي اللبنانية، ولا رغبة لديها في ذلك، كما لا يملك لبنان أي شرعيّة للاستمرار في التغاضي عن وجود جيش خاص على أراضيه، يأتمر بطهران بدل بيروت.

يُضاف إلى ذلك ما ينتظره جنوب لبنان منذ عقود. فمن شأن أي اتفاق أن يتضمّن رزمة دولية شاملة لإعادة الإعمار. فلا تطلب القرى الّتي سُوّيت بالأرض، والبنى التحتية المدمّرة، والأُسَر الّتي لم تتمكّن بعد من العودة إلى بيوتها، أكثر من ذلك. وما لم يحصل عليه جنوب لبنان أبدًا هو السلام الضروريّ كي تُستخدَم هذه الأموال في مشاريع إعمار، لا أن تلتهمه حرب أخرى.

مَن قد يعارض ذلك؟ بصراحة، مَن قد يفعل؟ إيران وذراعها المحليّة… ولا أحد سواهما. لقد استوعب زعيم الميليشيا الموضوع جيدًا. فقبل يومَيْن من انطلاق الاجتماعات، سارع إلى “تسميم” الأجواء قائلًا: “لا للمفاوضات المباشرة، وشكرًا لإيران”، (في مشهدٍ هزليٍّ عبثيٍّ)، المعركة مستمرّة، ولا دخل لأحد بالسلاح”. ها هي النبرة قد تحدّدت.

لكنّ أحدًا لم يعد يصدّق هذه الترّهات. لا يصدّقها الشعب اللبنانيّ الّذي دفع بالأرواح، والمنفى، والبؤس، ثمن مقاومة مزعومة، لم يوافق يومًا على مبدئها. ولا شيعة الجنوب الّذين يعرفون أكثر من سواهم، معنى أن يتحوّل الإنسان إلى درعٍ بشريّةٍ في خدمة مشروع إيديولوجيّ عابر للحدود. ولا المسيحيون، ولا السُنّة، ولا الدروز، ولا سائر المكوّنات اللبنانية الّتي شهدت استحواذ ميليشيا على البلد، ميليشيا لا تنتمي إليه سوى ظاهريًّا.

فحزب الله لا يقاتل من أجل لبنان، بل من أجل العمق الاستراتيجيّ الايرانيّ. ويُقاتل كي يحافظ على جبهةٍ مفتوحةٍ ضدّ إسرائيل، تستخدمها طهران وفق حساباتها الخاصّة، بمعزل عن المصالح اللبنانية، وعن آلاف القتلى الّذين يسقطون مع كل جولة تصعيد جديدة. هذا تمامًا ما ينبغي تثبيته في واشنطن. فالمفاوضون اللبنانيّون يواجهون مهمّةً ثقيلةً: مهمّة التفاوض لوضع حدّ للجحيم، بينما الخنجر مغروس في ظهورهم.

ليس اتفاق السلام استسلامًا. لا بالنسبة إلى إسرائيل، الّتي قد تتمكّن أخيرًا من تحويل حدودها الشمالية إلى حدودٍ مستقرّةٍ بعد عقود من القلق الأمنيّ، ولا بالنسبة إلى لبنان، الّذي سيستعيد للمرة الأولى سيادته الكاملة على كامل أراضيه. الطرف الوحيد الخاسر في هذا الاتفاق هو إيران. ولهذا السبب تحديدًا، ستفعل طهران كل ما في وسعها لإفشاله.

لكنّ فخًّا آخر يُطبق الخناق على حزب الله. والأجدر بقياداته إدراك أبعاده بشكلٍ جيّد. ففي حال إبرام اتفاق، يشمل انسحابًا إسرائيليًّا حتّى الحدود الدولية المعترف بها، ورزمة شاملة لإعادة إعمار الجنوب، وعودة النّازحين إلى قراهم، يختارُ من بعده حزب الله، على الرغم من كل ذلك، مواصلة الحرب استجابةً لإملاءات طهران، فلن يعود قادرًا على الاحتماء بخطابه التقليديّ. حينئذٍ، سيسقط القناع بشكلٍ نهائيّ. ولن يتعلّق الموضوع بميليشيا تدّعي الدفاع عن الجنوب، بل ميليشيا تمنع الجنوب من أن يعيش بسلام، خدمةً لمصالح قوةٍ أجنبية.

ولهذا الخيار كلفة سياسيّة أيضًا. فقاعدة حزب الله الشيعية، الّتي استنزفتها سنوات من الحرب، والدمار، والإفقار، ليست كتلة صمّاء. فثمّة عائلات جنوبية تؤيّده حتّى اليوم بحكم العادة، أو الخوف، أو المصالح المالية، أو لأنها لم تجد بعد بديلًا عنه ذا مصداقية. لكنّ رفض سلام مطروح على الطاولة، ورفض عودة الناس إلى بيوتهم حين يصبح الأمر مُتاحًا، هو خيانة لن يغفرها أبدًا، حتّى مَن هم أكثر ولاءً. ويوم تُجرى الانتخابات النيابية في لبنان، وسوف يحدث ذلك لا محالة، قد يدفع حزب الله ثمن هذا الخيار في صناديق الاقتراع، بقسوة لن يتمكّن أي صاروخ من تعويضها.

لهذا، لا بدّ أن يصمد جميع المجتمعين في واشنطن. ولا بدّ أن تكون الضمانات الأميركية فعليّة، لا رمزية. ولا بدّ أن يراقب المجتمع الدوليّ تنفيذ الاتفاق بحزم لم نشهده يومًا في تطبيقه القرار 1701.

ها هو الباب مفتوح على مصراعَيْه… لكنّ ذلك لن يدوم طويلًا. كان شارل ديغول يقول: “الفرص الضائعة نادرًا ما تعود في تاريخ الأمم”. فلنغتنم إذًا هذه الفرصة قبل أن تضيع!

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us