تفنيد أسطورة “البيئة الشيعية الأسيرة” لدى حزب الله

ترجمة هنا لبنان 19 أيار, 2026

كتب Hussain Abdul-Hussain لـ”This is Beirut“:

يخطئ مركز “ألما” الإسرائيلي في توصيفه للطائفة الشيعية في لبنان. ففي مقال حديث، ادّعى المعهد أنّ جمهور حزب الله الشيعي هو “جمهور أسير” مقيّد بالاعتماد والخوف والإيديولوجيا. لكن الواقع مختلف؛ فالمؤمنون العقائديّون الملتزمون بالحزب يُشكّلون أقلية، فيما يمكن تفكيك عوامل الاعتماد والخوف.

فالذين يعتمدون على حزب الله يمكن استقطابهم بعيدًا عنه عبر الاستثمارات والموارد الخارجية، كما أنّ الخوف من الميليشيا يمكن كسره من خلال تعزيز مؤسّسات الدولة الأمنية الشرعية في لبنان. إنّ إضعاف قبضة حزب الله ليس أمرًا معقّدًا.

يحظى حزب الله، في أقصى تقدير، بدعم ثلث الشيعة اللبنانيين البالغ عددهم نحو 1.75 مليون نسمة، فيما تُشير المعطيات إلى أنّ قبضته آخذة في التراجع. ففي الانتخابات النيابية عام 2022، حين كان حزب الله وحركة أمل يُهيمنان على مؤسسات الدولة والاقتصاد، صوّت 17% من النّاخبين الشيعة ضدّ “الثنائي الشيعي”. ومنذ ذلك الحين، تسارع هذا المنحى.

وفي الانتخابات البلدية في أيار 2025، داخل معقل حزب الله التقليدي في بعلبك، فاز الحزبان بكلّ المقاعد الـ21، لكنّهما حصلا على ثلثي الأصوات فقط. في المقابل، حصدت لائحة معارضة شيعية بحتة ثلث الأصوات، أي نحو 6000 صوت، على الرغم من آلة المال والتنظيم والترهيب الضخمة التابعة للحزب.

وبعد شهرين، أظهر استطلاع لـ”غالوب” نتيجةً مشابهةً، إذ عبّر 27% من الشيعة اللبنانيين عن تأييدهم لنزع سلاح حزب الله بالكامل. ومجرّد أنّ ثلث الطائفة الشيعية يرفض علنًا سلاح الحزب، يُعدّ خرقًا كبيرًا لفكرة “الجمهور الأسير”.

أضعف ركائز نظرية “ألما” هي الإيديولوجيا. فمشروع حزب الله بأكمله قائم على “ولاية الفقيه”، وهي عقيدة تتبنّاها الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتتعارض مع أكثر من 1400 عام من اللّاهوت الشيعي الاثني عشري.

فالشيعة التقليديون يؤمنون بأنّ الإمام الثاني عشر، محمد المهدي، دخل في الغيبة في القرن التاسع، ولن يعود إلّا في آخر الزمان لإقامة العدل. وخلال غيبته، جرى عمدًا اعتماد نظام ديني لا مركزي. فأيّ رجل دين مؤهّل ويحظى باعتراف أقرانه يمكن أن يُصبح “مرجع تقليدٍ”. ويختار المؤمنون أحد هؤلاء المراجع لاتباع أحكامه في الشؤون الدّينية والشخصيّة، ويدفعون له الحقوق الشرعيّة التي تموّل الحوزات وشبكات الرعاية الاجتماعية.

وقد صُمّم هذا النّظام لمنع احتكار السلطة، ولإبقاء القيادة الدينية منفصلة عن الحكومات. وكان يُفترض تاريخيًّا بالشيعة أن يندمجوا في الدّول التي يعيشون فيها، وأن يُدينوا بالولاء السياسي لحكوماتها، أي عمليًّا “إعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله”.

لكنّ صيغة “ولاية الفقيه” التي طرحها المُرشد الإيراني الرّاحل روح الله الخميني نسفت هذا التقليد. مستفيدًا بدرجة كبيرة من أفكار جماعة الإخوان المسلمين المصرية، رفع الخميني رجل دين واحدًا، هو نفسه، فوق جميع الآخرين، ونصّب نفسه فقيهًا أعلى يحكم الدّين والدّولة معًا في إيران. وقد رفضت المؤسّسة الدينية الشيعية في مدينة النجف العراقية هذا الابتداع بشكلٍ قاطعٍ، ولا تزال ترفضه حتى اليوم.

وكان شيعة لبنان تاريخيًّا يتطلّعون إلى النّجف كمركز للمرجعية الدّينية. وعلى مدى عقود، اتّبع معظمهم المرجع الشيعي أبو القاسم الخوئي قبل الانتقال إلى خليفته علي السيستاني. لكنّ صعود حزب الله، المدعوم بالأموال الإيرانية، دفع الكثيرين إلى تحويل ولائهم إلى الخميني ثم إلى علي خامنئي.

واليوم، تُشير تقديرات غير رسمية إلى أنّ المُجتمع الشيعي اللبناني مُنقسم تقريبًا إلى ثلاثة أقسام: نحو 40% يتبعون خامنئي ويبقون ضمن شبكة الرعاية التابعة لحزب الله، لكن هذه النسبة ليست أغلبية مطلقة.

في المقابل، يتبع نحو 40% آخرون السيستاني. وحتّى خلال الحرب الأخيرة في لبنان، ساهمت شبكة السيستاني في دعم الرعاية الصحية للعائلات الشيعية النازحة عندما أصبحت العيادات في الجنوب خارج الخدمة.

أما الـ20% المُتبقّون، فيتبعون المدرسة المستقلّة للمرجع الراحل محمد حسين فضل الله، الذي كان يُعتبر يومًا المرشد الروحي لحزب الله قبل أن ينفصل عن إيران. وقد رفضت الجمهورية الإسلامية الاعتراف به كمرجع تقليد بسبب اعتراضه على عقيدة ولاية الفقيه.

ولا تبدو هذه الانقسامات واضحةً دائمًا بالنسبة إلى الخارج. فعلى سبيل المثال، يوجد في الضّاحية الجنوبية لبيروت مركزان طبيان رئيسيان: مستشفى “الرسول الأعظم” الذي تُديره مؤسسة الشهداء التابعة لحزب الله، ومستشفى “بهمن” الذي تُديره جمعية المبرّات التابعة لفضل الله.

وقد موّل مستشفى بهمن رجل أعمال شيعي كويتي ثري، ما يعكس الامتداد الواسع للمرجعيّة المستقلّة لفضل الله. ومعظم اللبنانيّين يعتقدون أنّ المستشفيَيْن والجهات المشغّلة لهما يتبعان لحزب الله، بينما الواقع أنّ أحدهما فقط كذلك.

إنّ شيعة لبنان ليسوا جمهورًا أسيرًا ميؤوسًا منه. فقد بنى حزب الله نفوذه عبر الأموال الإيرانية الضخمة، وشبكات الزبائنيّة القاسية، والترهيب، وأحيانًا الاغتيالات. ولم يملأ “فراغًا” خلّفته الدولة اللبنانية المُهملة كما يُقال غالبًا، بل استغلّ تقليدًا دينيًّا شيعيًّا معروفًا والبنية الطائفية اللبنانية.

وما بناه حزب الله بالمال والخوف يمكن تفكيكه بالأدوات نفسها عندما يتغيّر ميزان القوة والموارد. وقد أدّى التدمير الإسرائيلي الأخير لقياداته وقواته إلى خفض مستوى الخوف بالفعل. وإذا استمر انهيار الاقتصاد الإيراني، فإنّ شريان التمويل سيتقلّص أكثر.

وإذا جرى دعم مؤسّسات الدولة اللبنانية وتمكينها فعليًّا، فإنّ الأصوات المستقلّة داخل شبكات السيستاني أو فضل الله ستساهم في إضعاف قبضة حزب الله.

وكما بدأت الهيمنة الإيرانية على شيعة العراق بالتراجع، يمكن للبنان أن يسلك المسار نفسه. فسيطرة حزب الله على الشيعة اللبنانيين ليست أبديةً ولا حتميةً، بل هشّة وتظهر عليها علامات التفكّك بالفعل.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us