لبنان: عندما يعيق الصراع من أجل البقاء الحركة

ترجمة هنا لبنان 4 حزيران, 2026

كتب David Sahyoun لـ”Ici Beyrouth”:

يسعى هذا النص إلى استكشاف الدوافع النفسية الكامنة وراء حالة الاستسلام في لبنان. ويُظهر أنّ التعلق بممثّل السلطة لا ينبع من مجرّد سلبية، بل هو آليّة للبقاء، ورابط بنيويّ، وأحيانًا لذّة. ففي مجتمع يتّسم بالحرب، والإفلات من العقاب، وهشاشة المؤسّسات، لا تعني القطيعة مع “السيّد” الاحتجاج فحسب، بل يفترض المرور بفترة حداد، ومواجهة قلق الفراغ، وتحمّل الوحدة.

لماذا يتعلق شخص بموضوع مؤذٍ؟ يصف “S. Ferenczi”، في نصوصه عن الصّدمة، التماهي مع المعتدي كآليّةٍ للبقاء. فالطفل الّذي يواجه شخصًا بالغًا عنيفًا قد ينحاز، لا شعوريًّا، إلى جانب القويّ، لأنّ هذا القرب يمنحه وهم السيطرة. وفي مجتمعٍ مصدومٍ، يتكرّر هذا المنطق. وقد يمنح الاصطفاف إلى جانب سلطةٍ مهينةٍ شعورًا بأنّ المرء لم يعد مجرّد ضحية، بل مشارك. ويُصْنَعُ الرّضوخ من الخوف، والولاء من الخطر. ويعني الانفصال عن هذه السلطة الاعتراف بالتعرّض للإساءة.

وهنا يلتقي “Etienne de La Boétie” مع “S. Freud”. فالعبوديّة طوعيّة لأنّها أيضًا علاقة. والمرء لا يقطع علاقةً إلّا إذا كان قادرًا على تحمّل الخسارة. يتعيّن تقبّل الحداد على وهم الحماية، ومواجهة الكراهية، والتهديدات، واتهامات الخيانة. فمَن يكفّ عن حبّ الزعيم، يكفّ أيضًا عن حب ما يربط المجموعة ببعضها، ويصبح خطرًا داخليًّا. وقد يبدو الخروج من الشبكة، في بلدٍ لا تزال فيه الرّوابط الطائفية شبكة أمان، أكثر خطورةً من الإهانة.

يمكن الاعتقاد بأنّ التحليل النفسيّ يبرّر هنا السلبيّة باسم الآليات الدفاعية. وهذا خطأ. فالفهم لا يعني التبرير، بل الكشف عن التكلفة النفسيّة للفعل. غالبًا ما نتحدّث عن الشجاعة السياسية، ولكنّنا نادرًا ما نتحدّث عن الشجاعة اللازمة للتحرّك من دون ضمانات. فالتحرّك يفترض تحمّل عدم اليقين، والصراع، وغياب الحماية، ولكنّه يفترض أيضًا وحدةً قد تكون في لبنان مادية، وبالتالي مميتة.

قد يقول “J. Lacan” إنّ الشخص يُفضّل غالبًا سيدًا سيئًا على البقاء من دون سيّد، لأنّ غياب السيد يُعرّضه لقلق الفراغ. لكنّه يضيف بعدًا أكثر إزعاجًا، وهو اللذّة. ففي الشكوى لذّة. ليست لذّةً سعيدةً، بل طريقة للاستمرار. وفي لبنان، يمكن أن تُصبح الشكوى شكلًا من أشكال التواصل الاجتماعيّ، وأحيانًا المشهد العام الوحيد الذي يتعرّف فيه الناس إلى بعضهم البعض. لا تُلغي هذه اللذّة المعاناة، بل تجعل التعايش معها ممكنًا. وقد يدفع التخلّي عن الشكوى إلى التحرّك، وبالتالي مواجهة المستحيل، أو العنف، أو الفشل.

مسألة النقل مركزية. لقد شهد لبنان حروبًا، ونزوحًا، وخسائر، لم تترك آثارًا تاريخيةً فحسب، بل نفسيّة أيضًا. وقد أظهر منظّرو النقل عبر الأجيال، مثل “René Kaës”، كيف تنتقل محتويات غير مُرمّزة، وأسرار، وحالات حداد مُستحيلة في العائلات وتصبح منظِّمات داخلية صامتة. وعندما ينجو جيل بالصمت، لا ينقل أحيانًا القصة فحسب، بل قاعدة البقاء: عدم إثارة المشاكل. يمكن أن تتنكّر هذه القاعدة في هيئة حذر أو قدرية. إنها ليست فكرة، بل بصمة.

لهذا السبب، يمكن أن تُفهم السلبيّة الظاهريّة لدى اللبنانيين كنشاط غير مرئيّ. ثمّة نشاط نفسيّ مكثّف، مكرّس للحفاظ على الحياة على الرغم من الانهيار: التدبّر، والالتفاف على الصعاب، والاستدانة، والهجرة، وإرسال الأموال، ورعاية كبار السنّ، والحفاظ على مظهر من مظاهر الحياة الطبيعية. ليس هذا النشاط منظمًا سياسيًّا، لكنّه حيويّ. يتطلب الفعل السياسيّ جاهزيةً تلتهمها ضرورات البقاء اليوميّ. والبلد غارق في اقتصاد تُستنزف فيه الطاقة من خلال الطوارئ، على حساب الزمن الطويل، زمن المؤسسات والمسارات.

مع “D. Winnicott”، يُمكننا التحدّث عن ذات جماعية زائفة، وعن واجهة من التكيّف، والبراعة، والسخرية، تُخفي كربًا أعمق. مع ذلك، تسمح هذه الذّات الزائفة بالاستمرار في العمل، والحب، وتكوين أسرة. لكنّها قد تجعل الغضب غير مؤذٍ، حيث يتحوّل على الفور إلى مزحةٍ أو تهكّم. فالتسامي يُنقذ، لكنّه قد يعطّل الفعل أيضًا. ويمكنه أن يجعل ما يتعيّن أن يبقى غير محتمل، محتملًا.

ينبغي أيضًا أن ننظر إلى ما يفعله العنف السياسيّ بالقدرة على الإيمان بالقانون. عندما تبقى الجرائم من دون عقاب، وعندما تصبح الاغتيالات فصولًا بلا عدالة، تكون الرسالة واضحة: القانون لا يحمي. ومن ثمّ، لا يعود المرء ينتمي إلى قانون مجرّد، بل إلى شبكة. ويحمي المرء نفسه من خلال القرب. يتم استبدال الأنا الأعلى الاجتماعيّ بأنا أعلى عشائريّ، غالبًا ما يكون أكثر قسوةً، لأنه يتطلّب ولاءً تامًّا. ويُصبح الاستسلام هو الثمن المدفوع للبقاء في داخل الدائرة. من الأفضل التزام الصمت بدل فقدان الأهل.

عندما تظهر ردود فعل، تبقى مجزّأة، ومشتّتة، وعابرة، وغالبًا ما تكون خاصّة، وأحيانًا سرّية. كما تتخذ شكل المنفى. فالمغادرة ليست مجرّد خطوة اقتصادية، بل هي استجابة نفسية. والمغادرة هي فعل يحصل من خلال سحب الجسد من المشهد السياسيّ. وهو فعل وقائيّ. يترك البلد أكثر فراغًا، ويُعزّز الإحساس بالاستسلام، لكنّه يظلّ، بالنسبة إلى الكثيرين، الفعل الوحيد الممكن. وبتكراره على نطاق واسع، يضعف إمكان العمل الجماعيّ.

يتطلّب الخروج من هذه الدائرة العمل على الحداد. حداد على الأوهام حول الدولة، والشخصيّات الأبويّة، والماضي المثاليّ، والشهداء الذين استُغلّوا، والثورات الحالمة. وطالما هذه الأحزان لم تُرمَّز، سوف تعود في شكل تكرار. تحدث “S. Freud” عن الإكراه على التكرار. يمكن أن يكرّر بلد دورات من الأمل، وخيبة الأمل، كما يكرّر شخص قصة حب سامّة. ويصبح التكرار مصيرًا، في العيادة كما في التاريخ، طالما لم يُعبَّر عنه بالكلمات.

ولكن في لبنان، ليس من السهل التعبير بالكلمات، لأنّه سرعان ما تستولي الانتماءات الطائفيّة والعشائريّة، ووسائل الإعلام، والخطابات الدّينيّة، والقوى الخارجيّة، والمخاوف الداخليّة على الخطاب. ولكي يصبح الكلام قوة تغيير، يتعيّن أن يبقى حرًّا وأن يتحمّل التناقض. أن يقول المرء إنّه بحاجة إلى الحماية، ويرفض في الوقت نفسِه الإهانة. أنّ يقول إنّه خائف، ويرفض في الوقت نفسه أن يقرّر الخوف بالنيابة عنه. هذا الكلام المتناقض نادر في السياسة، لكنّه في صميم التحليل النفسيّ.

عندما نتساءل عن أسباب الاستسلام اللبنانيّ، يتعيّن أن نسأل أنفسنا أيضًا ما الذي يجعل الفعل مُكلفًا إلى هذا الحدّ من الناحية النفسيّة. تظهر هذه التكلفة في الإرهاق، والأدوية النفسية، والعصبية، والعنف، والانقطاعات الأُسَرِيَّة، والاشمئزاز، والمخدّرات، والمنفى. الاستسلام ليس فراغًا، وهو عرض اجتماعيّ يقول إنّ شيئًا ما لم يجد شكلًا آخر للتعبير عن نفسه، بين التبعيّة للسيد وقلق الفراغ، وبين العشيرة الحامية والدولة الغائبة، وبين ذاكرة الحرب والرّغبة في حياة طبيعية.

اعتقد “La Boétie” أنّ التوقّف عن خدمة الطاغية يكفي كي يسقط. هذه البساطة جميلة، لكنّها تتجاهل ما تعلمناه من “Freud”، وكل العيادة النفسية من بعده، عن قوة الروابط. لا يمكن أن يتوقّف المرء عن الخدمة من دون فقدان شيء، ومن دون المرور بقلق، ومن دون تحمّل وحدة، ومن دون التخلّي عن لذّة، حتّى لو كانت مؤلمة.

في لبنان، يمسّ السياسيّ أعمق ما في الذّات لأنه حلّ محل وظائف أوليّة. لقد كان أبًا، وأمًا، وعشيرةً، وملجأً، وتهديدًا. والرّغبة في التحرّر منه هي حركة انفصال. فليس السؤال الحقيقيّ إذًا، لماذا لا يتفاعل اللبنانيون بما فيه الكفاية؟ بل في فهم ما الذي يُصعّب الاحتفاظ بردّ الفعل في الرابط الاجتماعيّ، والذاكرة الصادمة، وشخصيات الحماية، والأنا الأعلى الجماعيّ، مع مرور الوقت.

ربما لا تكمن المشكلة في غياب الغضب، بل في غياب مساحة قد تُصبح فيها المقاومة فكرًا مشتركًا من دون استيعابها أو معاقبتها أو تحويلها على الفور إلى كراهية للذّات وللآخر. أي طرف ثالث ينبغي ابتكاره اليوم في لبنان، حتّى لا تُعاش الرّغبة في التغيير كسذاجة انتحارية بعد اليوم، بل كمسارٍ ممكنٍ؛ بطيءٍ، وناقصٍ، ومتعثّر أحيانًا، لكنّه، مع ذلك، قابل للاستمرار؟

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us