عندما تقرّ الدولة بنظاميّة الأزمة… ماذا يتغيّر اقتصاديًّا وتشريعيًّا؟

كتبت باتريسيا جلاد لـ“نداء الوطن”:
كسر إقرار “صندوق النقد الدولي” بنظاميّة الأزمة الجمود المسيطر على أداء الحكومة ومجلس النواب في ما يتعلّق بالقوانين الإصلاحية، منذ اندلاع حرب إسناد إيران في آذار 2026 وانصرافهما إلى إدارة أزمة النزوح. في الموازاة، أحالت الحكومة التعديلات الجديدة على قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي، ما دفع لجنة المال والموازنة إلى تحديد جلسة لمناقشته غدا الخميس، على أن تتبعها، كما يُفترض، جلسات لدراسة قانون الفجوة المالية. فماذا سيتغيّر في مقاربة هذيْن القانونيْن إذا ما أقرّت الدولة بأنّ الأزمة في لبنان نظامية؟
يكتسب توصيف الأزمة التي انفجرت في لبنان في العام 2019 بـ”الأزمة النظامية” (Systemic Crisis) أهمية خاصة، إذ يعني الإقرار بانطباقها على لبنان انهيارًا متزامنًا للقطاع المالي والمصرفي والمالية العامة للدولة، ما يؤدّي إلى تغيير في مقاربة الحلول.
كان مصرف لبنان والمصارف قد أقرّا بنظاميّة الأزمة منذ بدايتها، في حين أن الدولة تهرّبت من مسؤولياتها، واختبأت خلف صندوق النقد الدولي الذي يجرّد عادةً أي دولة من التزاماتها لتأمين استعادة القروض التي يقدّمها إليها، والمحدّدة للبنان بنحو 4 مليارات دولار كحدّ أقصى، ولضمان أيضًا تسليفات الدول الداعمة للبنان في مرحلة لاحقة. إلّا أنّه، وبعد اعترافه بأنّ الأزمة نظاميّة في تقرير نشره، تغيّرت المُعادلة، ما يستوجب من الدولة إعادة النظر في هذا الموضوع واعترافها بتحمّل مسؤولياتها، ولو بعد مرور ست سنوات على الأزمة ودخولنا في السنة السابعة.
يقول الخبير المالي والاقتصادي نسيب غبريل في هذا السياق لصحيفة “نداء الوطن”: “لو تحمّلت الدولة جزءًا من الخسائر منذ بداية الأزمة، لكان أحدث ذلك صدمة إيجابية، ولم يكن المودع عانى ما عاناه، ولما كانت الإصلاحات تأخرت إلى هذا الحد وطالت الأزمة.
حتى إنّ حاكم مصرف لبنان أعلن رسميًا الأسبوع المنصرم أنّ الأزمة لم تولد من مهد القطاع الخاص، وإنّما بدأتها الدولة وتمّت هندستها على مدى عقود لتمويل عجز المالية العامة بشكل مزمن وهيكلي، من خلال آليّة تبيّن اللّامبالاة بالمخاطر. وما حصل، وبات معلومًا، أنّ الدولة اقترضت من مصرف لبنان بالليرة وبالدولار بفوائد مرتفعة جدًا، ويترتّب على الدولة تسديد تلك الأموال. وهكذا تدحرجت كرة الثلج، وبدأ مصرف لبنان يعرض على المصارف عوائد مرتفعة لقاء توظيف أموالها لديه. هذا الواقع يُبيّن أن الدولة هي المسؤولة الأولى عن الأزمة، باعتراف مصرف لبنان”.
فماذا يتغير إذا تمّ إقرار نظاميّة الأزمة من قبل الدولة؟ وهل لا بدّ من إدراج ذلك في قانون الانتظام المالي وإعادة أموال المودعين؟
يعتبر غبريل أنّه “يمكن عدم إدراج عبارة نظاميّة في القانون، بل يكفي اعتراف السلطة المحلية، أي الدولة، بأنّ الأزمة نظامية حتى تتغيّر المعادلة، باعتبار أن السلطة السياسية هي التي أساءت استخدام القطاع العام وهدر المال العام وأدمنت على الاستدانة، وعلى الدولة أن تتحمّل مسؤولياتها وتشارك في الخسائر”.
آلية النقل معطّلة
أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية جاسم عجّاقة أجرى، من خلال “نداء الوطن”، مقاربةً مختلفةً لقراءته للتغييرات التي سنشهدها، إذ أوضح بدايةً أن “آليّة النقل المالي في الأزمة النظامية تكون معطّلة. الإفلاس لا يقتصر على مؤسسة واحدة فاسدة أو اثنتين أو ثلاث، إنّما هناك في لبنان شبكة واحدة تتألف من مصرف لبنان والمصارف التجارية والدولة، متشابكة بعضها ببعض بعقدة مدمّرة للمالية العامة”.
التشخيص الاقتصادي التشريعي
وبحسب عجاقة، هذا التشخيص لنظامية الأزمة في لبنان يُحوّل التشخيص الاقتصادي التشريعي المطلوب إلى التالي: “من النّاحية الاقتصادية، من خلال الاعتراف بأن الأزمة نظامية، لا يمكن السير بالتعميم رقم 154 الصادر عن مصرف لبنان، والذي يُطالب صندوق النقد بالالتزام به من قبل المصارف، والذي ينصّ على إلزامية رفع المصارف رأسمالها. ويعني ذلك أن هناك ثلاث حقائق صعبة سنواجهها:
1 – عقدة سيادية مصرفية: الدولة اقترضت من المصرف المركزي، والأخير استحصل على ودائع المصارف التجارية بالعملات الأجنبية التي تعود إلى المودعين. وبما أنّ الدولة تخلّفت عن دفع سندات “اليوروبوندز” في 7 آذار 2020، انهار كل النظام في لبنان.
2 – مشكلة حجم الالتزامات أو الأموال التي تطالها الأزمة: عادة، في الأزمات المصرفية النظامية بحسب تعريف صندوق النقد الدولي، تتضمّن قروضًا أو نقصًا في رأس المال يتخطّى نسبة 20% من كل أصول النظام. في لبنان، القيمة التي تطالها الأزمة تبلغ 70 مليار دولار، وهي رقم كبير يفوق إجمالي النّاتج المحلي، ويعني ذلك أن حجم الالتزامات هائل، وهذه مشكلة كبيرة.
3 – المشكلة الثالثة: من دون إصلاح بنيوي كامل مشرّع ضمن خطة واضحة، لن تُحلّ الأمور. فالخسائر بلغت مستوًى مرتفعًا، ما جعل حلّ الأزمة بشكل مجزّأ مسألة مستحيلة. من هنا يجب أن يكون الإصلاح بنيويًا شاملًا مشرّعًا يدفع الاقتصاد للنهوض مجددًا”.
من الناحية القانونية
كان ذلك من الناحية الاقتصادية، فماذا عن الشقّ القانوني، وما هي التغييرات المرتقبة في ظلّ توصيف الأزمة بالنظامية؟
أولًا، يعتبر عجّاقة أن “مشروعَيْ قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي والفجوة المالية لم يعودا قابلين للتطبيق. فالقوانين الإصلاحية، وتحديدًا قانونا إعادة الهيكلة والانتظام المالي (أي الفجوة)، يجب أن يكونا رزمة واحدة، أي قانونًا واحدًا. يمكن أن يُجزّآ إلى قوانين عدّة، ولكن يجب أن يكونا مرتبطين بعضهما ببعض، ومن الضروري أن يتم التصويت عليهما في الوقت نفسه نظرًا لتشابكهما معًا”. مع الإشارة هنا إلى أنه على المشرّع أن يعمل مُجدّدًا على بنود مشروع قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي.
وبذلك، كل القوانين التي سنّها مجلس النواب في ما يختص بإعادة هيكلة القطاع المصرفي، والآن الفجوة المالية، لم تعد سارية.
ثانيًا، سنشهد، مع توصيف الأزمة بالنظامية، ساحة معركة جديدة، وسيفتح النقاش مجددًا حول مَن سيتحمّل الخسائر وكيفيّة توزيعها. ونظرًا لحجم الخسائر الكبير، ستكون المحادثات حول تلك النقطة صعبة.
ثالثًا، قانون “الكابيتال كونترول” سيُطرح مجدّدًا على طاولة البحث.
رابعًا، تُعتبر النقطة القانونية الأخيرة التي سيطالها توصيف الأزمة بالنظامية قانون النقد والتسليف، الذي يجب أن تخضع للتعديل فيه المادة 91، وهي تلزم المصرف المركزي إقراض الدولة، والمادة 113 التي تحمل الدولة مسؤولية أي خسائر في المصرف المركزي”. وهذه التعديلات، برأي عجّاقة، سيقدم عليها مجلس النواب.
نستنتج من كل ذلك أنّ إقرار صندوق النقد بنظاميّة الأزمة، إن دلّ على شيء، فعلى أن المسار الذي يجب أن تعتمده الدولة هو الاعتراف بمسؤوليتها وبمشاركتها في الخسائر. حتى الساعة، لا يزال الخلاف قائمًا على توصيف الأزمة، على الرغم من انتفاء سردية مَن يقول إنّ سبب الانفجار تقني، مثل ارتفاع أسعار الفوائد وكلفة تثبيت سعر الصرف والعمليات المالية بين مصرف لبنان والمصارف التجارية وأرباح المصارف. هذه الأمور حصلت، يقول غبريل لـ”نداء الوطن”، “لكنّها ليست سبب الأزمة”.
إن جذور الأزمة تكمن، كما بات معروفًا، في سوء استخدام السلطة السياسية وسوء إدارة القطاع العام والمؤسّسات العامة ذات الطابع التجاري، والدليل زيادة النفقات 160% بين 2006 و2018، في وقت لم تُقرّ موازنات عامة، وإدخال 31 ألف شخص إلى القطاع العام بين العامين 2014 و2018، معظمهم من دون توصيف وظيفي أو عمل فعلي… عامان من الشغور الرئاسي، و11 شهرًا لتشكيل حكومة تمام سلام، و11 شهرًا لتشكيل الحكومة الميقاتية في أيلول 2021 بعد اعتذار الحريري عن تشكيل حكومة في تموز 2021 في عهد الرئيس ميشال عون… فضلًا عن هدر 45 مليار دولار على الكهرباء، وعدم مكافحة اقتصاد الظل، وإقحام لبنان في حروب إقليمية ومخاصمة الدول العربية الشقيقة. كل تلك العرقلات السياسية والفساد، يقول غبريل، “أدت إلى أزمة ثقة انسحبت إلى أزمة سيولة طالت كل القطاعات، ومنها القطاع المصرفي”.
برنامج صندوق النقد
إن التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، والذي أكدت الحكومة أهميته في أكثر من مناسبة للتمكّن من حيازة ثقة المجتمع الدولي، أمر مهم لحيازة الثقة العالمية بلبنان. ولكن هذا البرنامج لا يمكن أن يُوقّع على حساب تكبيد مصرف لبنان والمصارف والمودع الخسائر، وإعفاء الدولة من مسؤوليتها. توزيع الخسائر، يجب أن يشمل الأطراف الثلاثة: الدولة ومصرف لبنان والمصارف، ولو كلّ بحسب إمكاناته المادية وليس مسؤوليّاته الحسابية.
والنقطة الأساسية، بحسب غبريل، تكمن في أنه “على الدولة عدم التلطّي وراء معايير وشروط صندوق النقد الدولي للتهرّب من مسؤوليّاتها، العقدة الأساسية الموجودة منذ انطلاق شرارة الأزمة”.
مواضيع ذات صلة :
النائب ميشال ضاهر: هي أزمة رجال دولة | تخبّط في سوق العقارات.. هل تعود الأسعار كما كانت قبل 2019؟ | الانكشاف السياسي ينعكس في التفلّت الأمني! |




