السلطة التنفيذية اللبنانية وحزب الله: تباين حادّ في الرؤى

ترجمة هنا لبنان 12 حزيران, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:

ثمّة لحظات تتوقف فيها السياسة عن كونها إدارة للتسويات، لتتحوّل إلى مواجهة بين تصورات غير قابلة للتوفيق. وهذه هي حال لبنان، حيث تشكّل المرحلة الراهنة، الّتي تتسم بالحرب وبعودة الجدل حول مسألة سلاح حزب الله، مرآةً للتصدّع المتزايد بين الدولة وهذا التنظيم الشيعيّ. ومن هنا يبرز السؤال: ما هو اليوم حجم هذه الفجوة الحقيقيّ؟

منذ وصولهما إلى السلطة في عام 2025، حافظ الرئيس جوزاف عون ورئيس الوزراء نواف سلام على خطٍ واحدٍ قائمٍ على الحوار، والاندماج السياسيّ، وإعادة جميع القرارات الاستراتيجية إلى سلطة الدولة. مع ذلك، ومع تقدّم النقاشات، فرضت حقيقة نفسها: لم يعد الخلاف بين السلطة التنفيذية اللبنانية وحزب الله مجرّد تباين حول آليات نزع السلاح، بل بات يمسّ تعريف الدولة اللبنانية، وموقع هذا التنظيم فيها.

ومنذ انتخاب عون في كانون الثاني 2025 رئيسًا للجمهورية، وتشكيل حكومة نواف سلام بعد شهر، بقيت الرسائل الموجّهة إلى حزب الله ثابتة. إذ لم يكن الهدف إقصاءه من الحياة السياسية أو الدفع نحو مواجهة داخلية، بل دفعه إلى الاندماج في مشروع دولة يقوم على مبدأ أساسيّ هو احتكار الدولة للشرعية في استخدام القوة.

إنّما يبدو أنّ المسارات بدأت تتباعد بشكل متزايد عند هذه النقطة بالتحديد.

خط رئاسيّ ثابت منذ اليوم الأول

منذ خطاب القسَم، وضع الرئيس عون استعادة سيادة الدولة في صلب ولايته. وأكد ضرورة حصر قرار الحرب والسلم بيد المؤسّسات الدستورية، وممارسة الدولة سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية. ولم يتغيّر هذا التوجه.

وفي خلال الأشهر اللاحقة، كثّف عون تصريحاته الّتي تؤكد أنّ مسألة السلاح لا يمكن فصلها عن إعادة بناء الدولة. وفي نيسان 2025، أوضح أنّ قرار حصر السلاح بيد الدولة قد اتُخذ، وأنّه ينبغي أن يحصل تنفيذه عبر حوار مباشر مع حزب الله.

وقد اعتمد الرئيس مقاربة تدريجية وتفاوضية، إذ سعى إلى فتح قنوات نقاش مع هذا التنظيم المسلح لإيجاد صيغة تُتيح دمجه الكامل ضمن الإطار المؤسّساتيّ، بعيدًا عن منطق المواجهة.

مع ذلك، وبالتوازي مع هذا الانفتاح، بقي الخط الأساسيّ ثابتًا. ففي تموز، عاد عون وأكد أنّ حصر السلاح بيد الدولة قرار “نهائيّ لا رجوع عنه”، وأنّ قرارات الحرب والسلم تعود حصرًا إلى مجلس الوزراء.

وقد أُعيد تأكيد هذا الموقف بمناسبة عيد الجيش، إذ دعا إلى بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وإلى تسليم جميع المجموعات المسلحة، بما فيها حزب الله، أسلحتها إلى الجيش اللبنانيّ.

نواف سلام في امتداد بعبدا

تتجلّى المقاربة عينها في السراي الكبير. فمنذ تعيينه، التزم رئيس الحكومة نواف سلام بتوسيع سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وتطبيق أحكام اتفاق الطائف بصورة كاملة، إلى جانب القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن.

وانسجم بيان الحكومة الوزاريّ مع هذا التوجّه، إذ أعاد التأكيد على مبدأ احتكار الدولة وحدها للقوة المسلحة الشرعية.

وفي خلال الأشهر الماضية، رفض رئيس الحكومة بشكل واضح فكرة التعايش الدائم بين الدولة وبنية عسكرية مستقلة. وفي أواخر تموز، شدّد على أنّه “لا عودة إلى الوراء” في مسألة حصر السلاح بيد الدولة، مذكّرًا بأنّ هذا الهدف ورد في خطاب القسَم وفي البيان الوزاريّ الّذي أقرّه البرلمان.

وبذلك، سعت السلطة التنفيذية إلى الحفاظ على توازن دقيق يقوم على استمرار الحوار مع حزب الله، بالتوازي مع تثبيت سلطة الدولة وصلاحياتها بشكل تدريجيّ.

رفض حزب الله تغيير النموذج

في المقابل، واصل حزب الله التمسك برؤية مختلفة بشكل جذريّ.

فمنذ الحرب مع إسرائيل، وعلى الرغم من التراجع العسكريّ الّذي تكبّدته بنية حزب الله المسلحة، لم يتوقف أمينه العام نعيم قاسم عن رفض فكرة نزع السلاح. ويرى أنّ السلاح لا يُشكّل خللًا في بنية الدولة، بل جزءًا أساسيًا من استراتيجية “الدفاع” عن لبنان.

وعكست خطاباته في خلال الأشهر الماضية رفضًا متزايدًا لفصل مفهوم “المقاومة” عن وجود قوة مسلحة مستقلة عن الدولة. وقد أكد قاسم أنّ أي ضغط باتجاه نزع السلاح يخدم المصالح الإسرائيلية، وأنّ حزب الله لن يقبل التخلّي عن سلاحه تحت الإكراه.

وهكذا، في حين تدافع السلطة التنفيذية عن نموذج يقوم على دولة واحدة تحتكر وحدها قرار القوة العسكرية، يواصل حزب الله التمسّك بشرعية موازية في مجال الدفاع والمواجهة الإقليمية. وتفسّر هذه الازدواجية في الرؤى تصاعد التوتّر بين الطرفيْن، وتعكس أيضًا عمق المأزق السياسيّ القائم وصعوبة تجاوزه.

وعليه، لم يعد هذا التباين مجرّد خلاف سياسيّ، بل بات يعكس تصادمًا بين تصوريْن متناقضيْن للبنان: من جهة دولة سيادية تحتكر وحدها القرار العسكريّ على كامل أراضيها، ومن جهة أخرى تنظيم يحتفظ بدور قوة مسلحة مستقلة تعمل خارج مؤسسات الدولة وسلطتها.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us