هرم الهرمل… لغز لبنان!

ترجمة هنا لبنان 17 حزيران, 2026

كتبت Bélinda Ibrahim لـ”Ici Beyrouth”:

غالبًا ما يُحكى عن لبنان بذكر أزماته وحروبه وقادته. غير أنّ ثمة أماكن، متناثرة بين الجبال والوديان، والمدن، تروي قصصًا أخرى عن هذا البلد. عواصم قديمة، وخطوط سكك حديدية مهجورة، ومعابد خفيّة، ومصحّات متروكة، ومواقع أثرية مجهولة، جميعها تشهد بصمت على عصور مضت. سلسلة لإعادة اكتشاف لبنان من خلال أماكن أسهمت في تشكيل هويته.

في شمال البقاع، وبعيدًا عن المسارات السياحية التقليدية وأشهر المواقع الأثرية، ينتصب معلم منفرد يُهيمن على السهل منذ أكثر من ألفَيْ عام. إنّه هرم الهرمل، واحد من أكثر الآثار فرادةً في لبنان، وواحد من أكثرها غموضًا.

في لبنان، غالبًا ما تروي المعالم حكاياتها بنفسها. فمعابد بعلبك تستحضر روما، وحصون الجنوب تذكّر بالعصور الصليبية، وأديرة وادي قاديشا تشهد على قرون من الانقطاع الروحيّ في أعالي الجبال. أمّا هرم الهرمل، فيُخيّم حوله الصمت.

يقع هذا البناء الحجريّ الغريب على مرتفع يبعد بضعة كيلومترات إلى الجنوب من مدينة الهرمل، بالقرب من منابع نهر العاصي. ويبدو للوهلة الأولى وكأنّه عنصر دخيل على المشهد اللبنانيّ. وغالبًا ما يُراود الزائرين الّذين يُشاهدونه للمرة الأولى السؤال عينه: ما الّذي يفعله هنا هذا الهرم المنعزل، بعيدًا عن الحضارات الكبرى الّتي ترتبط عادةً بها معالم مماثلة؟

منذ أكثر من قرن، يحاول المؤرّخون وعلماء الآثار الإجابة عن هذا السؤال، من دون أن ينجحوا حتى اليوم في تبديد الغموض المحيط بهذا الأثر الفريد بشكل كامل.

هرم في وسط البقاع

يظهر المعلم فجأة في السهل. شُيّد على قاعدة حجرية ضخمة على ارتفاع يتجاوز العشرين مترًا، ويشرف على محيطه كحارس صامت لا يبرح مكانه.

وعلى خلاف الأهرامات المصرية، ليس مجمّعًا جنائزيًّا واسعًا. فهرم الهرمل معلم منعزل. وتعلو قاعدته المربّعة بنية هرمية أكسبته اسمه، وقد بُني بكامله من كتل حجرية كبيرة، مرصوفة بعناية فائقة.

وأول ما يلفت انتباه الزائر هو شعور الانعزال الّذي يحيط بالموقع. فما من معلم مماثل يرافقه، وما من مجموعة أثرية تفسّر وجوده. ويبدو وكأنه برز وحيدًا وسط مشهدٍ، طالما شهد مرور شعوب وإمبراطوريات لا تُحصى.

تسهم هذه الفرادة في منحه سحرًا خاصًا، لأنّ لبنان يزخر بالكنوز الأثرية، إنّما ليس من هذا النوع.

ويزداد هذا الانطباع بفعل طابع المنطقة البريّ. فالمساحات أوسع في أقاصي شمال البقاع، والتضاريس أشدّ خشونة، والحدود أقرب. وهنا، يبدو لبنان مختلفًا عن الصورة المنعكسة على البطاقات البريدية المتوسطية.

ما يعتقد علماء الآثار أنّهم يعرفونه؟

على الرغم من هالته الغامضة، ليس هرم الهرمل مجهولًا تمامًا لدى الباحثين.

يرجّح معظم المتخصّصين أنّ بناءه يعود إلى الفترة الممتدة بين القرنيْن الثاني والأول قبل الميلاد، أي أواخر العصر الهلنستيّ، وهي المرحلة الّتي أعقبت فتوحات الإسكندر الأكبر، وسبقت بسط السيطرة الرومانية الكاملة على المنطقة.

لكنّ اليقينيّات تبدأ بالتلاشي بدءًا من هذا الحد.

فالمعلم مصنّف عمومًا كبناء جنائزيّ أو تذكاريّ. وربما أُقيم تكريمًا لشخصية بارزة، أو لزعيم محليّ، أو لأحد الأعيان الّذين اندثرت هويتهم عبر القرون. وتقول فرضيّات أخرى بأنّه قد يكون نصبًا تذكاريًّا رمزيًّا، أُقيم تخليدًا لذكرى شخص من دون أن يكون جثمانه مدفونًا فيه بالضرورة.

غير أنّ أي نص أثريّ أو تاريخيّ معروف لم ينجح حتى اليوم في تأكيد هذه الفرضيّات.

أمّا النقوش البارزة المحفورة على جوانب المعلم، فتقدّم إشارات محدودة من دون أن تحل اللغز. وتظهر خصوصًا مشاهد صيد لحيوانات برية، من بينها الأيائل والخنازير البرّية، إضافةً إلى حيوانات مفترسة. وتوحي هذه المشاهد بأنّ صاحب المعلم كان ذا مكانة رفيعة، إذ غالبًا ما ارتبط الصيد في المجتمعات القديمة بالسلطة والوجاهة.

إنّما حتى هنا، تتباين التفسيرات.

فبعد أكثر من ألفيْ عام على تشييده، يبقى هرم الهرمل عصيًّا على أي استنتاجات نهائية حاسمة.

على تخوم العوالم

لفهم وجود هذا المعلم، لا بدّ من التذكير بأنّ منطقة الهرمل شكّلت، لفترة طويلة، أرض عبور.

حتى اليوم، يبدو شمال البقاع فضاءً انتقاليًّا بين لبنان والداخل السوريّ، وهي حقيقة جغرافية تعود جذورها إلى العصور القديمة.

على مدى قرون، تعاقبت على المنطقة ممالك محلية، وتأثيرات يونانية، وسلالات هلنستية، ثمّ الرومان والبيزنطيون، وصولًا إلى القوى العربية. وعبرت طرق التجارة هذه السهول، رابطةً بين المتوسط وأراضي الداخل.

وعلى الأرجح، ينتمي هرم الهرمل إلى هذا العالم الحدوديّ المتحوّل، حيث تلاقت ثقافات متعدّدة. كما تبدو هندسته انعكاسًا لهذه التأثيرات المتقاطعة؛ فهو لا يبدو شرقيًّا تمامًا ولا يونانيًّا خالصًا، بل نتاج عالم مركّب اختفى جزء كبير منه.

ويفسّر هذا الموقع عند تقاطع الطرق كثرة الفرضيّات الّتي طُرحت حوله، إذ حاول كل عصر وكل باحث إسقاط قراءته الخاصة عليه.

مع ذلك، يبقى المعلم أقدم من معظم السرديّات التاريخيّة المرتبطة اليوم بالمنطقة. فقد كان قائمًا بالفعل حين كانت الإمبراطوريات تتبدّل، والديانات تتعاقب، والحدود تتحرك.

معلم منسيّ

حتى وإن أثار هرم الهرمل اهتمام المتخصّصين منذ زمن طويل، فهو يغيب عن المخيّلة الجماعيّة بشكل كبير.

فعند الحديث عن التراث القديم في لبنان، تتجه الأنظار تلقائيًّا إلى بعلبك، وجبيل، وصور، وعنجر. وتحظى هذه المواقع بشهرة عالمية، وتنقيبات واسعة، وحضور دائم في الأدلة السياحية.

ويقاسي هرم الهرمل، على العكس، العزلة.

لم يحظَ الهرم الّذي يبعد عن المراكز الحضرية الكبرى، ويقع في منطقة طالما بقيَت مهمّشةً وصعبة الوصول، بالاهتمام عينه. كما يجعله تاريخه المتشظّي أقلّ سهولة في السرد مقارنة بالمعابد الكبرى أو المدن الأثرية.

مع ذلك، يُشكّل هذا التواري جزءًا من سحره.

فهو يذكّر بأنّ جزءًا من التراث اللبنانيّ لا يزال بعيدًا عن المسارات المعتادة، كما يذكّر بأنّ تاريخ البلاد لا يُختزل في أشهر معالمه. فبعض الحجارة ما زالت تطرح أسئلةً لم يجد أحد لها جوابًا حتى اليوم.

المقال التالي: راشيا، المحطة الّتي كان يمر منها الشرق

https://icibeyrouth.com/articles/1338668/deir-el-qamar-la-capitale-oubliee-du-mont-liban

Encadré

ثلاثة أشياء يتعيّن معرفتها عن هرم الهرمل:

– إنّه فريد من نوعه في لبنان.

– ما من معلم هرميّ مماثل على الأراضي اللبنانية.

– من المرجّح أنّه يعود إلى العصر الهلنستيّ.

يؤرّخ معظم الباحثين بناءه بين القرنَيْن الثاني والأول قبل الميلاد.

يبقى تاريخه الدقيق مجهولًا

لا يزال الغموض يلفّ هوية مَن بادر إلى تشييده، ووظيفته الدقيقة، والشخص الّذي قد يكون أُقيم تخليدًا لذكراه.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us