ملاحظات “مستحيلة التطبيق” يفرضها صندوق النقد… تعديلات غير منزلة ولا مقدّسة رغم تعنّته!

عُقد اجتماع في الأيام الماضية في السراي الحكومي جمع حاكم مصرف لبنان كريم سعيد ووزير المال ياسين جابر ووزير الاقتصاد عامر البساط، بحضور رئيس الحكومة نواف سلام، حيث تم الاتفاق على صيغة نهائية تحفظ استقلالية مصرف لبنان وصلاحيات المجلس المركزي، مع تحديد صلاحيات الهيئة المصرفية العليا، ولا تساهم في إفراغ صلاحيات الحاكم والمجلس المركزي، ولا تساهم أيضاً، مثلما يطرح صندوق النقد الدولي، في تشكيل سلطات إضافية جديدة تتمثل بالهيئة المصرفية العليا من خلال الصلاحيات المناطة بها
كتب موريس متّى لـ”هنا لبنان”:
اليوم الخميس كان الموعد النهائي الذي وضعه رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان لتسلّم اللجنة الملاحظات النهائية لمصرف لبنان ووزارة المال على قانون إصلاح المصارف وموقف صندوق النقد منها. وحتى هذه اللحظة، علم “هنا لبنان” أنّ هذه الملاحظات لم تصل بعد إلى لجنة المال والموازنة، التي حدد رئيسها يوم الإثنين المقبل موعداً لعقد جلسة يتضمن جدول أعمالها خمسة بنود للدرس، يمكن أن يضاف إليها موضوع مشروع قانون إعادة هيكلة المصارف في حال استلمت اللجنة الملاحظات.
لقانون إعادة هيكلة المصارف تاريخ حافل، فقانون إعادة هيكلة المصارف أُقرّ في 14 آب 2025، بعد أن تمت دراسته على مدى ثلاثة أشهر في لجنة المال والموازنة، بدراسة معمّقة مع خبراء صندوق النقد وكل الملاحظات التي كان قد طرحها، وأيضاً مع مصرف لبنان ووزارة المال اللذين كانا مختلفين على بعض المواد. وفي نهاية المطاف، خرجت اللجنة بصياغة تقبل بها كل الأطراف، وتلبي 90% من متطلبات صندوق النقد، و100% مما يطرحه مصرف لبنان والحكومة.
بعد إقرار القانون في 14 آب 2025، تقدّم عدد من النواب بطعن أمام المجلس الدستوري، الذي ردّ بعض المواد، وثبّت قانون إصلاح القطاع المصرفي في لبنان. يومها، قرر المجلس الدستوري إبطال الفقرة ما قبل الأخيرة من المادة 16 من القانون المطعون فيه، والتي تنصّ على أنّه “يعود للهيئة المصرفية العليا عدم اعتماد المبدأ العام القاضي بمعاملة الدائنين من ضمن المرتبة الواحدة بالتساوي، مع تحديد الحالات التي لم يطبق فيها هذا المبدأ وشرح شفاف للأسباب الموجبة، وذلك فقط إذا ارتأت أنّ الأمر ضروري لاحتواء التأثير المحتمل لتعثر مصرف على القطاع المصرفي ككل أو لتأمين المنفعة القصوى لصالح الدائنين ككل”.
وأيضاً إبطال الفقرة الثانية من المادة 29 التي تنص على أن “تحال أي دعوى عالقة أمام محكمة الدرجة الأولى اللبنانية تتعلّق بنزاع قائم بين دائن أو مودع والمصرف المعني، ولم يصدر قرار نهائي بشأنها، إدارياً إلى المحكمة الخاصة في غضون شهر من تعيين المصفّي/ لجنة التصفية”. كما أقر شطب عبارة “لا يوقف الطعن أمام المحكمة المختصة تنفيذ القرار المطعون فيه ولا يبطل القرارات المتخذة سابقاً من الهيئة المصرفية العليا – الغرفة الثانية، وتقتصر الأحكام الصادرة عن المحكمة الخاصة في هذا الشأن على تحديد التعويضات المالية” من المادة 31 من القانون المطعون فيه.
من هنا، يكون المجلس الدستوري قد كرّس حق المصارف في استئناف قرارات الهيئة المصرفية العليا أمام محكمة خاصة لحظ القانون تشكيلها. ولا بد من التذكير بأنّ صندوق النقد الدولي عاد وطلب مجدداً في ملاحظاته مخالفة قرار المجلس الدستوري لجهة حقّ المصارف باللجوء إلى القضاء، فيما اعتبر رئيس لجنة المال والموازنة إبراهيم كنعان أنّ هذا الأمر مستحيل، فالدولة التي تريد أن تكسب الثقة بنظامها المالي والمصرفي والنقدي يجب أن يكون لديها استقرار تشريعي.
أما في التعديلات الأخيرة، فقد ورد في المادة 31 من مشروع القانون إعطاء الحق للمصرف بالطعن بقرارات الهيئة المصرفية العليا، وقد ورد في المادة التالية: “تقبل جميع القرارات الصادرة عن الهيئة المصرفية العليا الطعن أمام المحكمة الخاصة المنشأة بموجب القانون رقم 110 تاريخ 11 تموز 1991 للنظر في قانونية القرارات الصادرة، وذلك خلال مهلة 10 أيام من تاريخ إبلاغ المصرف قرار الهيئة….”
عاد صندوق النقد الدولي ليطلب مجدداً تعديلات على القانون الجديد، فأرسلها إلى الحكومة اللبنانية، التي عادت وأرسلت نسخة جديدة من مشروع القانون إلى مجلس النواب. وفي شباط 2026، وصل مشروع قانون جديد إلى لجنة المال والموازنة يأخذ بكل ملاحظات صندوق النقد الدولي. يومها، أبلغ وزير المال ياسين جابر اللجنة بعدم ضرورة دراسة المشروع، لكون لدى صندوق النقد الدولي المزيد من الملاحظات، ولن تكون النسخة الأخيرة التي ستصل من الحكومة إلى مجلس النواب.
ليعود رئيس اللجنة النائب إبراهيم كنعان ويطلب من وزير المال الحصول على النسخة النهائية مع التعديلات لدراستها، وذلك خلال مهلة أسبوع. مرّت ثلاثة أشهر، ووصلت إلى لجنة المال والموازنة في أيار الفائت نسخة جديدة من مشروع قانون إعادة هيكلة المصارف تتضمن أكثر من 28 تعديلاً على صياغة القانون مقارنة مع النسخة الأولى منه. لهذه الغاية، دعا كنعان اللجنة للاجتماع بحضور وزير المال ياسين جابر، ووزير العدل عادل نصار، ووزير الاقتصاد عامر البساط، وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد والنواب. بعد الدراسة، تبين أنّ لدى مصرف لبنان ملاحظات على الصيغة الجديدة، لجهة المسّ باستقلاليته، وأنّ هناك تداخلاً في الصلاحيات بالمادتين 3 و13 بين الهيئة المصرفية العليا والمجلس المركزي، ما يضرب المرجعية والمحاسبة، حيث تتضمن ملاحظات صندوق النقد إعطاء الهيئة المصرفية العليا صلاحيات طلب إصدار المجلس المركزي لدى مصرف لبنان للتعاميم، وهي خطوة تأتي في صلب صلاحيات هذا المجلس، الأمر الذي اعترض عليه حاكم مصرف لبنان كريم سعيد.
كما أنّ ما ورد من تعديلات في مشروع القانون تلحظ مخالفات لقانون النقد والتسليف لناحية استقلالية مصرف لبنان وصلاحيات الحاكم. لهذه الغاية، عُقد اجتماع في الأيام الماضية في السراي الحكومي جمع حاكم مصرف لبنان كريم سعيد ووزير المال ياسين جابر ووزير الاقتصاد عامر البساط، بحضور رئيس الحكومة نواف سلام، حيث تم الاتفاق على صيغة نهائية تعالج مسألة المادتين 3 و13 ضمن مقاربة تحفظ استقلالية مصرف لبنان وصلاحيات المجلس المركزي، مع تحديد صلاحيات الهيئة المصرفية العليا، ولا تساهم في ما وصفه سعيد بـ”إفراغ صلاحيات الحاكم والمجلس المركزي”، ولا تساهم أيضاً، مثلما يطرح صندوق النقد الدولي، في تشكيل سلطات إضافية جديدة تتمثل بالهيئة المصرفية العليا من خلال الصلاحيات المناطة بها.
اليوم ينتظر رئيس لجنة المال والموازنة إبراهيم كنعان الحصول على الصيغة النهائية التي توافق عليها حاكم مصرف لبنان ووزير المال وموافقة صندوق النقد عليها، حيث أرسل كنعان كتباً رسمية إلى كل من حاكم مصرف لبنان ووزير المال وصندوق النقد الدولي لإبلاغ لجنة المال والموازنة بموقفهم النهائي من هذه التعديلات، لتقوم اللجنة بدراسة النسخة النهائية لمشروع القانون وعدم ظهور مفاجئات جديدة.




