إيران وإسرائيل: من المواجهة العسكرية إلى صراع النفوذ الإقليميّ؟

ترجمة هنا لبنان 25 حزيران, 2026

كتب Pierre Sawaya لـ”Ici Beyrouth”:

شكّلت الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، الّتي اندلعت في الثامن والعشرين من شهر شباط، نقطة تحوّل في مسار التوازنات الإقليمية. فقد أدّى التصعيد العسكريّ، الّذي تمثّل في ضربات أميركية – إسرائيلية واسعة ضد إيران، وردود من طهران وحلفائها، لا سيّما ضدّ دول خليجية، إلى تصاعد المخاوف من انزلاق الشرق الأوسط نحو مواجهة شاملة.
وعلى الرغم من توقّف العمليات العسكرية لاحقًا تحت ضغط دبلوماسيّ، لا تزال تداعياتها السياسية قائمة. وهي تؤكّد خصوصًا حقيقةً أساسيّةً: الصعوبة الّتي يواجهها كل طرف في تحويل المكاسب العسكرية إلى انتصار استراتيجيّ مستدام.

المفاوضات الأميركية – الإيرانية: منعطف هادئ
في هذا السياق، أدخلت المفاوضات بين واشنطن وطهران في سويسرا عاملًا جديدًا إلى المعادلة الإقليمية.
وبحسب تصريحات المفاوضين الأميركيين والإيرانيين، لم تتناول المحادثات الّتي عُقدت في مركز بورغنشتوك الملف النوويّ الإيرانيّ فحسب، بل أيضًا مسألة استقرار الجبهات الإقليمية، وفي مقدمتها لبنان.
وشملت هذه المباحثات فكرة إنشاء خلية للوقاية، تهدف إلى منع تصعيد جديد بين إسرائيل وحزب الله. وهي صيغة تجمع الولايات المتحدة، وباكستان، وإيران، وقطر، في إدارة التوتّرات على حدود لبنان الجنوبية، مع استبعاد إسرائيل.
ويرى مسؤولون إسرائيليون، كما نقلت عنهم “أكسيوس”، أنّ هذا التطور قد يحدّ من هامش تحرك إسرائيل العسكريّ، ويمنح طهران شكلًا من أشكال الاعتراف الضمنيّ بدورها الإقليميّ.
في المقابل، يدافع بعض المسؤولين الأميركيين الّذين نقلت عنهم الوسيلة عينها عن مقاربة براغماتية، معتبرين أنّ تحقيق الاستقرار في لبنان مستحيل من دون أخذ النفوذ الإيرانيّ على الأرض في الاعتبار.

لبنان: نقطة التقاء التوترات
يبرز لبنان بذلك كساحة مركزية في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. فقد أعادت الحرب الأخيرة إحياء المواجهات بين إسرائيل وحزب الله، وعمّقت الانقسامات الداخلية في البلاد.
وعلى أرض الواقع، أظهرت المحادثات الّتي جرت برعاية الولايات المتحدة حول وقف إطلاق النار، أو إنشاء آلية لخفض التصعيد، حدود المقاربات الثنائية البحتة بين إسرائيل والسلطات اللبنانية. فالدور الإيرانيّ، على الرغم من عدم رسميّته، يبقى محوريًّا في أي محاولة لتحقيق استقرار دائم على الجبهة الجنوبية، بسبب نفوذ طهران على حزب الله. وكان رئيس الوزراء نواف سلام قد اتهم إيران، في منتصف حزيران، بممارسة نفوذ “مباشر، وحاسم، وغير مسبوق، على التنظيم الشيعيّ”.

استراتيجية إيرانية في طور إعادة التشكّل
بالنسبة إلى طهران، يعكس هذا الواقع تحوّلًا استراتيجيًّا تدريجيًّا. فإيران تبدو، في مواجهة الضغوط العسكرية الأميركية – الإسرائيلية، والعقوبات الاقتصادية، والضربات الّتي استهدفت حلفاءها الإقليميين، وكأنّها تسعى إلى الحفاظ على نفوذها عبر الجمع بين تثبيت شبكاتها، والعودة الجزئية إلى المسارات الدبلوماسية.
ويُشير ذلك إلى تحوّل في طبيعة مقاربتها: فالنفوذ الإيرانيّ لا يختفي، لكنّه ينتقل جزئيًّا من المجال العسكريّ إلى فضاء التفاوض وإدارة الأزمات الإقليمية.

إسرائيل أمام حدود القوة العسكرية
على الجانب الإسرائيليّ، أكدت الحرب الأخيرة التفوّق العملياتيّ لدى الجيش الإسرائيليّ في ساحات متعددة، لكنّها كشفت في الوقت عينه حدود القوة العسكرية في تحقيق أهداف سياسية طويلة الأمد. فعلى الرغم من إضعاف الضربات قدرات “محور المقاومة” بشكل جزئيّ، لم تؤدِّ الأخيرة إلى تهميش إيران بشكل دائم في موازين القوى الإقليمية.
ويُقرّ مسؤولون إسرائيليون بأنّ التحدي الأساسيّ لم يعد عسكريًّا فحسب، بل أصبح دبلوماسيًّا أيضًا. ويتمثّل السؤال المطروح الآن في كيفية منع إعادة بناء شبكات حلفاء طهران من دون التسبّب في موجة جديدة من التصعيد الإقليميّ.

واشنطن في قلب المعادلة الإقليمية
تظهر الولايات المتحدة مُجدّدًا كطرف محوريّ في هذا المشهد. فالمحادثات في سويسرا تعكس مقاربةً مزدوجةً تقوم على احتواء إيران، مع إشراكها جزئيًّا في آليات خفض التصعيد، بهدف تجنّب عودة دائرة الحرب والردود المتبادلة.
وتعكس هذه الاستراتيجيّة واقعًا جديدًا: لم يعد بالإمكان إدارة أزمات الشرق الأوسط من دون تفاعل، ولو بشكل غير مباشر، مع القوى الرئيسية المنافسة.

منافسة انتقلت إلى معركة النفوذ
تدخل المنافسة بين إسرائيل وإيران مرحلةً جديدةً من الصراع. فبعد أن تصدّرت المواجهات العسكرية المشهد، تنتقل المعركة تدريجيًّا إلى ساحات المفاوضات، وترتيبات وقف إطلاق النار، وتحديد ملامح النظام الإقليميّ المقبل.
وقد ساهمت الحرب الأخيرة والمحادثات في سويسرا في تسريع اتجاه أعمق: الانتقال من صراع تهيمن عليه الأسلحة، إلى معركة حول صياغة قواعد اللعبة الإقليمية.
وفي شرق أوسط مجزّأ، تعجز إسرائيل وإيران عن فرض نظام إقليميّ مستقرّ. ويسعى الطرفان اليوم، قبل كل شيء، إلى الحفاظ على موقعهما كقوّتَيْن أساسيتَيْن لا يمكن تجاوزهما في التوازنات الإقليمية المقبلة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us