التصلّب الجانبيّ الضموريّ في لبنان: ضرورة بناء مسار رعاية

كتب Makram Haddad لـ”Ici Beyrouth“:
بمناسبة اليوم العالميّ للتصلّب الجانبيّ الضموريّ، الّذي يُصادف في الحادي والعشرين من حزيران، يسلّط موقع “Ici Beyrouth” الضوء على مرض عصبيّ نادر ومتفاقم، يبقى من دون علاج شافٍ حتى اليوم. في لبنان، يمنع غياب سجلّ وطنيّ تحديد مدى انتشار المرض بدقة. إلّا أنّ المعطيات المتوافرة لدى المركز الطبيّ في الجامعة الأميركية في بيروت (AUBMC)، إلى جانب الخبرات المتخصّصة والمبادرات الّتي تُطلقها الجمعيات، تلتقي عند تحدٍّ واحد: التشخيص المبكر، وتنسيق مسار الرعاية، ودعم العائلات.
أُنشئ اليوم العالميّ للتصلّب الجانبيّ الضموريّ عام 1997 بمبادرة من التحالف الدوليّ لجمعيات التصلّب الجانبيّ الضموريّ/أمراض العصبون الحركيّ، ويتزامن الحادي والعشرون من حزيران مع موعد الانقلاب الصيفيّ، أي أطول يوم في السنة في النصف الشماليّ من الكرة الأرضية، ليشكّل رمزًا للأمل، ولإطالة حياة المرضى، وانتظار تحوّل علاجيّ.
مرض شاركو، أو التصلّب الجانبيّ الضموريّ (SLA)، هو مرض عصبيّ يصيب العصبونات الحركية. تتحكّم هذه الخلايا العصبية الموجودة في الدماغ، وجذع الدماغ، والحبل الشوكيّ، بالعضلات الإرادية. وعندما تتدهور، تفقد العضلات قوتها تدريجيًّا، ما يجعل المشي، والكتابة، والكلام، والبلع، والتنفّس أكثر صعوبةً مع مرور الوقت.
لا ينبغي الخلط بين التصلّب الجانبيّ الضموريّ والتصلّب اللويحيّ. فهو لا يتطوّر على شكل نوبات التهابية، بل نتيجة تدهور تدريجيّ في العصبونات الحركية. وقد يبدأ بضعف في إحدى اليديْن، أو تعثّر في إحدى الساقيْن، أو تشنّجات، أو ارتعاشات عضلية، أو اضطراب في الكلام، أو صعوبات في البلع. ويفسّر هذا التنوع في الأعراض الأولى جزءًا من التأخر في التشخيص.
مرض نادر لكنّ تداعياته كبيرة
يُصيب التصلّب الجانبيّ الضموريّ غالبًا البالغين في الخمسين أو الستين من العمر، على الرغم من وجود أشكال تظهر في سنّ مبكرة. ومعظم الحالات تكون عَرَضية، من دون سبب واضح، فيما تبقى الأشكال العائلية أو الوراثية قليلة.
حتى اليوم، لا يوجد علاج شافٍ للمرض. ويمكن لبعض الأدوية أن تُبطئ تطوّره بشكل محدود، أو تستهدف أشكالًا وراثيةً معينةً، عندما تكون متوافرة ومناسبة. لكنّ أساس الرعاية يبقى متعدّد الاختصاصات، ويشمل طب الأعصاب، وأمراض الرئة، والعلاج الفيزيائيّ، وعلاج النطق، والتغذية، والدعم النفسيّ، والمساعدات التقنية، والرعاية المنزلية.
الوقت عامل حاسم. فالتشخيص المبكّر يسمح بالتحضّر لمشكلات التنفس، والتغذية، والحركة، والتواصل، واحتياجات الحياة اليومية. وفي مرضٍ يتطوّر تدريجيًّا، يمكن أن تؤثّر أشهر من التأخير بشكل كبير في جودة مسار الرعاية.
لبنان: أرقام تبقى غير مكتملة
في لبنان، ما من سجلّ وطنيّ عام لمرض التصلّب الجانبيّ الضموريّ. ويبقى المرجع المحليّ الأبرز دراسة أُجريت في المركز الطبيّ في الجامعة الأميركية في بيروت (AUBMC) على مرضى جرت متابعتهم بين حزيران 2015 وآذار 2020. وقد حدّدت الدراسة 140 مريضًا مصابًا بأمراض العصبون الحركيّ، بينهم 113 حالة من التصلّب الجانبيّ الضموريّ الكلاسيكيّ. وبلغ متوسط عمر بداية المرض نحو 55 عامًا، مع غلبة لدى الذكور. أمّا متوسط الفترة بين ظهور الأعراض الأولى والتشخيص، فبلغ عشرة أشهر في الحالات الكلاسيكية، ووصل إلى 22 شهرًا في الحالات غير النّمطية.
وأوضحت الدراسة أنّ 80% من الحالات الكلاسيكية بدأت بشكل شوكيّ، أي عبر إصابة الأطراف أولًا، مقابل 20% من الحالات ذات البداية البصلية، الّتي تميّزت باضطرابات في الكلام، أو الصوت، أو البلع. وعانى أكثر من نصف المرضى المصابين بالشكل الكلاسيكيّ تطورًا يُصنّف معتدلًا وفق مقياس الوظائف ALSFRS-R، فيما شهد ثلث المرضى تطوّرًا سريعًا.
لا تقيس هذه البيانات كامل حجم المرض على المستوى الوطنيّ، لأنّها صادرة عن مركز متخصّص لا عن سجلٍّ يشمل مختلف المناطق اللبنانية. لكنّها تؤكّد وجود مسار لمرضى التصلّب الجانبيّ الضموريّ في لبنان، مع احتياجات معقّدة ومستمرّة، تتطلّب رعاية متخصّصة.
للتوضيح، تُظهر البيانات الدولية أنّ معدل حدوث التصلّب الجانبيّ الضموريّ (SLA) يتراوح ما بين حالة وحالتين جديدتين لكل 100 ألف نسمة سنويًّا في بعض الدول الّتي تمتلك سجلات وطنية. وإذا طُبّق هذا المعدّل بحذر على لبنان، فهو يشير إلى بضع عشرات من الحالات، وقد يتجاوز المئة حالة جديدة سنويًّا، تبعًا لعدد السكان المعتمد. وتبقى هذه التقديرات استقراءً وليست أرقامًا لبنانية مُثبتة.
تشخيص على مراحل
يبدأ التشخيص بالفحص العصبيّ، حيث يبحث الطبيب عن علامات إصابة العصبونات الحركية العلوية والسفلية: ضعف العضلات، أو ضمور عضليّ، أو ارتعاشات عضلية، أو تيبّس، أو منعكسات غير طبيعية، أو اضطرابات في الكلام والبلع.
يساعد تخطيط كهربيّة العضلات ودراسات توصيل الأعصاب في تقييم النشاط الكهربائيّ المتعلّق بالعضلات والأعصاب. أمّا التصوير بالرنين المغناطيسيّ، والتحاليل المخبرية، وأحيانًا فحوص إضافية، فتُستخدم أساسًا لاستبعاد أمراض قد تُشبه التصلّب الجانبيّ الضموريّ، مثل إصابات الفقرات العنقية، أو اعتلال الأعصاب الحركية، أو الأمراض العضلية، أو نقص الفيتامينات، أو الاضطرابات الالتهابية، أو بعض الأمراض الوراثية. لذلك لا يوجد اختبار واحد يؤكّد المرض بشكل مباشر في جميع الحالات.
بالنسبة إلى المرضى، غالبًا ما تكون هذه المرحلة صعبة. إذ تتفاقم الأعراض تدريجيًّا، وتتعدّد الآراء الطبية، وترتفع كلفة الفحوص، ويُخيّم الغموض على العائلة بأكملها. وفي الحالات غير النّمطية، قد يطول هذا المسار أكثر. من هنا يبرز أحد أبرز التحدّيات في لبنان: تقليص فترة الترحال التشخيصيّ من دون زيادة الأعباء المالية غير الضرورية.
المسار أهم من الإجراء المعزول
لا تتم متابعة التصلّب الجانبيّ الضموريّ لدى طبيب الأعصاب فحسب، بل يتطلّب مسارًا متكاملًا ومستمرًّا من الرعاية. ويصبح اختصاص أمراض الرئة محوريًّا عند ضعف عضلات التنفّس، إذ تتيح الفحوص الدورية رصد نقص التهوية، خصوصًا أثناء النوم. ويمكن أن تحسّن التهوية غير الغازية من الراحة، ومن جودة النوم، وقد تسهم في إطالة البقاء على قيد الحياة في بعض الحالات.
كما تحتاج الحالة الغذائية إلى متابعة مبكرة ودقيقة، إذ تزيد اضطرابات البلع من خطر دخول الطعام إلى مجرى التنفس، والالتهاب الرئويّ الاستنشاقيّ، وفقدان الوزن، وسوء التغذية. ويساعد علاج النطق على تكييف الكلام والبلع، وتأمين وسائل تواصل بديلة عند الحاجة. وفي بعض الحالات، قد يُناقش استخدام أنبوب تغذية لضمان تأمين الاحتياجات الغذائية بأمان.
لا يشفي العلاج الفيزيائيّ والعلاج الوظيفيّ من المرض، لكنّهما يساهمان في الحفاظ على الحركة، وتخفيف الألم، وتكييف النشاطات اليومية، واختيار الوسائل المساعدة مثل العصا، أو الجبائر، أو الكرسي المتحرك، أو السرير الطبّي، أو الفراش الطبّي الخاص، أو أجهزة النقل، أو تهيئة المنزل عبر الممرّات والمنحدرات.
في لبنان، تصطدم هذه الاحتياجات سريعًا بالكلفة. فالتصلّب الجانبيّ الضموريّ يفرض عبئًا كبيرًا على الأسرة بأكملها: الاستشارات، والفحوص، والأدوية، وأجهزة التنفّس، والتغذية، والنقل، والرعاية المنزلية، والمساعدون الصحيون، واعتماد كبير على أفراد العائلة. المرض نادر، لكنّ عبئه ثقيل.
خبرة محلية تحتاج إلى تعزيز
اختير المركز الطبيّ في الجامعة الأميركية في بيروت (AUBMC) عام 2015 أولَ موقعٍ للبحث السريريّ حول التصلّب الجانبيّ الضموريّ في الشرق الأوسط ضمن شبكة (NEALS)، وهي شبكة دولية مخصّصة للأبحاث وتحسين الرعاية. ويؤكد هذا الاختيار وجود خبرة متقدّمة في لبنان.
لكنّ هذه الخبرة لا تكفي ما لم يكن مسار الرعاية واضحًا ومتكاملًا. إذ يحتاج المرضى إلى منظومة منسّقة تشمل: طبيب أعصاب مرجعيّ، وتقييمًا تنفسيًّا، ومتابعة غذائية، وعلاج نطق، وعلاجًا فيزيائيًّا، ودعمًا نفسيًّا، ومساعدة اجتماعية، ومرافقة لمقدّمي الرعاية. ففي مرض مثل التصلّب الجانبيّ الضموريّ، ينعكس مستوى التنسيق مباشرة على جودة الحياة.
دور الجمعيات
ساهمت جمعية التصلّب الجانبيّ الضموريّ اللبنانية (Lebanese ALS Association – LALS)، الّتي أسّسها الطبيب جميل زغيب، وهو طبيب أطفال مُصاب بالمرض، في تعزيز الوعي بالتصلّب الجانبيّ الضموريّ في لبنان. وقد نظّمت الجمعية عام 2016 مؤتمرًا طبيًّا متخصّصًا جمع أطباء ومرضى وعائلات، وتناول الجوانب العصبيّة، والتنفّسية، والبحثيّة، ووسائل التواصل المساعد. وتؤكد هذه المبادرات أنّ المرضى لا يحتاجون إلى رعاية طبية فحسب، بل أيضًا إلى معلومات موثوقة، وإرشاد عمليّ، ودعم عائليّ، وإتاحة الوصول إلى الوسائل المساعدة.
تحسين تسجيل الحالات لتحسين التوجيه
تتمثّل الأولوية في لبنان في تحسين تسجيل الحالات، وتقليص التأخير التشخيصيّ، وتنظيم مراكز مرجعية، وتسهيل الوصول إلى التهوية غير الغازية، وتعزيز الدعم الغذائيّ للمرضى، ودعم مقدّمي الرعاية، وجعل الوسائل المساعدة أقل ارتباطًا بقدرات الأسر الفردية. ففي مرض نادر وثقيل العبء، يكمن التحدّي الأساسيّ في بناء مسار رعاية واضح، ومنسّق، ومتاح.
مواضيع ذات صلة :
وفاة نجم “Emily in Paris” بعد صراع مع المرض |




