جنوب لبنان: حين تمحو الحرب الذاكرة

كتبت Katia Kahil لـ”Ici Beyrouth”:
عندما عاد فادي إلى قانا بعد أشهر من النزوح، لم يبحث عن منزله أولًا. بحثت عيناه عن برج الكنيسة الّذي كان يعلو البلدة، ثم عن الساحة القديمة حيث اعتاد الأهالي الاجتماع في أمسيات الصيف.
احتاج إلى لحظات قليلة ليُدرك ما الّذي كان يؤلمه بالفعل. لم يكن الأمر مجرّد دمار، بل غياب المعالم الّتي شكّلت ذاكرته اليومية ومنحته شعور الانتماء.
قال بصوت متعب: “يمكن إعادة بناء المنزل، لكن هذه البلدة لم تعد تشبه تلك الّتي نشأت فيها. والأماكن الّتي كانت تروي قصتنا، اختفت”.
تلخّص هذه المشهديّة واحدة من أعمق الجراح الّتي خلّفتها الحرب في جنوب لبنان. فحصائلها الميدانية تُحصي الضحايا، والمباني المدمّرة، والطرقات المتضرّرة، والبنى التحتية الّتي تحتاج إلى إعادة إعمار.
وبحسب تقييم المجلس الوطنيّ للبحوث العلمية (CNRS) الأخير، دُمّر أكثر من 11 ألف مبنى بالكامل في الجنوب، وتُقدّر كلفة الأضرار بأكثر من 1.38 مليار دولار.
لكنّ هذه الأرقام لا تعكس سوى وجه واحد من خسارة أعمق وأكثر تعقيدًا: خسارة المشهد التاريخيّ.
فالحروب لا تدمّر الأرواح والمساكن فحسب، بل تمحو أيضًا الفضاءات الّتي منحتها معناها.
ومع الأبنية المهدّمة تختفي بيوتٌ عمرها قرون، ومقامات، وأسواق، وساحات عامة، وحصون رَوَت تاريخ هذا الإقليم عبر أجيال متعاقبة.
وهكذا تتكشّف حرب أخرى، أكثر صمتًا لكنّها لا تقل تدميرًا: حرب تمحو ذاكرة الأمكنة تدريجيًّا.
حين يصبح المشهد ساحة حرب
لا تكتفي الحرب بتدمير المدن، بل تُعيد تشكيل طريقة إدراك المكان. في جنوب لبنان، لم يعد يُنظر إلى التلال كمناظر طبيعية، بل كمساحات للسيطرة على الوديان.
تصبح المرتفعات مواقع عسكرية، وتتحوّل الأودية إلى محاور استراتيجية. أمّا القرى، فلم تعد تُعرّف بكنائسها وساحاتها وبيوتها القديمة، بل بقربها من الحدود وبقيمتها الأمنية.
يقول فؤاد، وهو مهندس معماريّ متخصّص في صون التراث: “تغيّر الحرب علاقتنا بالمشهد بشكل جذريّ. شكّلت هذه الأبنية أرشيفنا الحجريّ، ولم نعد نرى الأماكن كما اعتدنا رؤيتها”.
ومن بلاط إلى النبطية، مرورًا ببنت جبيل وجديدة مرجعيون، طالت التدميرات تراثًا عمرانيًّا محليًّا تشكّل بين أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. بيوتٌ من الحجر المحليّ، تعلوها أسقف القرميد الأحمر وتفتح على باحات داخلية، عكست أسلوب عيش في الجنوب، واستمرارية الذاكرة بين الأجيال.
تقول سهام، من سكان بلاط: “ليس البيت القديم مجرّد بناء. كل حجر فيه يحكي عائلة، وحرفة، وزمنًا. وعندما يختفي، لا يمكن أن تعيد أي إعادة إعمار العقود الّتي كان يحملها”.
قلعة الشقيف… سجينة جغرافيتها
إذا كان ثمّة معلم يُجسّد مصير التراث في جنوب لبنان، فهو قلعة الشقيف. تتشبّث هذه القلعة بكتلتها الصخرية المشرفة على نهر الليطاني، وتراقب المنطقة منذ ما يقارب تسعة قرون. حصّنها الصليبيون، وتنازع عليها المماليك، ثم احتلها العثمانيون، وظلّت عبر القرون تحمل ثقل تاريخها من دون أن تفقد رمزيّتها.
يقول فاضل، وهو مؤرخ محليّ: “رؤية قلعة الشقيف مُحاطةً بالمدفعية تشبه رؤيتها تفقد روحها”. والمفارقة قاسية؛ وما شكّل قديمًا قيمتها التراثية تحوّل اليوم إلى قيمتها العسكرية. ولم تعد الشقيف مجرّد معلم أثريّ، بل نقطة استراتيجية.
ويعكس هذا المصير حقيقةً أوسع: المواقع الّتي كانت شاهدة على الحروب تصبح بدورها جزءًا منها. وعندما يدخل التراث في منطق عسكريّ، لا يعود الخطر محصورًا في الحجر، بل يمتد إلى الذاكرة الّتي يحملها.
الأماكن المقدسة: حارسة ذاكرة تمتد لقرون
في مختلف مناطق جنوب لبنان، لا تقتصر الكنائس القديمة، والأديرة، والمقامات، والمزارات، على كونها أماكن عبادة، بل تُعدّ حارسةً لذاكرة دينية، وثقافية، واجتماعية، ممتدة عبر الزمن.
يقول الأب جرجس من يارون: “تحفظ الكنيسة ذاكرة الجماعة. المعموديّات، والزواج، والجنائز، والأعياد… تُسجَّل فيها كل تفاصيل الحياة الجماعية. وعندما تُصاب، لا يُستهدف المبنى فحسب، بل تُمسّ استمرارية الجماعة”.
وبحسب تقديرات المجلس الوطنيّ للبحوث العلمية (CNRS) الأولية، والمديرية العامة للآثار، تضرّر أكثر من ثلاثين كنيسة، ومزارًا، ومقامًا في جنوب لبنان بشكل مباشر أو غير مباشر. وما هو أبعد من الخسائر المادية هو اهتزاز وظيفتها الرمزية.
هذه الأماكن ليست مجرّد دور عبادة، بل هي علامات جماعية، ومعالم انتماء، ومكوّنات أساسية للهوية المحلية. وعندما تتضرّر أو تختفي، يتآكل جزء من رواية القرى.
حين تفقد الأسواق قدرتها على رواية المدينة
في النبطية، طالت التدميرات أيضًا تراثًا أقلّ ظهورًا لكنّه بالغ الأهمية: الأسواق التقليدية. لم تكن هذه الأسواق مجرّد فضاءات تجارية، بل شكّلت قلب المدينة النّابض، حيث تتقاطع العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، والذاكرة الجماعية.
يقول أحمد، وهو تاجر منذ أكثر من أربعين عامًا: “عندما عدت، لم أعرف أين يبدأ شارعي. قد تُفتح المحلات مجدّدًا، لكنّ روح السوق لن تُبنى من جديد”.
وفي صور، يأخذ الجرح شكلًا مختلفًا. فبينما تُعرّف المدينة عالميًّا بآثارها القديمة، تقوم هويتها الحقيقية أيضًا على بيوتها العثمانية، وأزقّتها، ونسيجها العمرانيّ التقليديّ. وغالبًا ما يكون هذا التراث اليوميّ، الأقل بروزًا من المعالم الكبرى، هو الأكثر تأثيرًا في تشكيل هوية المكان.
إعادة بناء الذاكرة
عندما تتوقّف المعارك، يدخل جنوب لبنان مرحلةً أخرى: إعادة الإعمار. ستُفتح الطرق، وتُعاد الجسور، وتُرمّم الشبكات، وتُبنى المنازل من جديد. لكنّ سؤالًا جوهريًّا يبقى غائبًا عن النقاش العام: ماذا سيبقى من ذاكرة الأمكنة؟
لا تقتصر إعادة البناء على مجرّد تشييد الجدران. فالبيت التقليديّ الّذي يُهدم لا يعود كما كان، والساحة القديمة الّتي يُعاد إنشاؤها تفقد غالبًا علامات الزمن الّتي منحتها طابعها المميز.
تقول رلى، وهي مهندسة معمارية في صور: “إذا أعدنا بناء القرى من دون الحفاظ على هويتها، سنصنع ديكورات، لا أماكن ذاكرة”.
ويتجاوز الأمر البُعد المعماريّ. فالموروث ليس مجرّد مبانٍ، بل هو ما يربط الإنسان بماضيه، ويمنح الأجيال استمراريةً، ويُضفي على الأماكن فرادتها.
قد تُدمّر الحرب المباني في لحظات، لكن محو الذاكرة قد يستمر لأجيال. فعندما يفقد المرء قدرته على التعرّف إلى الأماكن الّتي كانت تروي تاريخه، يُمحى جزء من مستقبله معها.
مواضيع ذات صلة :
عراقجي: أولوية الإتفاق هي وقف الحرب على لبنان | الجيش الإسرائيلي: لن نسمح بعودة السكان أو مسلحي “الحزب ” إلى المناطق التي نسيطر عليها جنوب لبنان | أضرار جنوب لبنان تتجاوز 1.38 مليار دولار! |




