الأداء الأفضل والأداء الأسوأ في الدور الأول

كتب Makram Haddad لـ”Ici Beyrouth“:
لم يحسم بعد الدور الأول هوية بطل المستقبل، غير أنّه نجح في فرز المنتخبات الثقيلة عن تلك الّتي وعدت بالكثير من دون ترجمة ذلك على أرض الملعب. فزرع المنتخب الفرنسيّ الخوف كعادته، فيما فرضت القارة الإفريقية حضورها بقوة عبر تأهل تسعة من ممثليها إلى دور الـ16، وواصل ليونيل ميسي تحدي الزمن، في حين غادرت منتخبات مثل الأوروغواي وتركيا البطولة من الباب الضيق. وقبل انطلاق مباريات الأدوار الإقصائية، إليكم الأداء الأفضل والأسوأ في دور المجموعات الّذي أسقط بعض الأقنعة.
الأفضل أداءً
إفريقيا، الحضور الجماعيّ الأبرز في الدور الأول
إنّه الرقم الأبرز: تأهلت تسعة منتخبات إفريقية من أصل عشرة إلى دور الـ16. في نسخة موسّعة من البطولة، لم يعد الحضور وحده كافيًا، بل بات إثبات الذات على أرض الملعب ضرورة قصوى، وهو ما نجحت فيه القارة الإفريقية بامتياز.
الرأس الأخضر، ومصر، والمغرب، والسنغال، وساحل العاج، وغانا، وجنوب إفريقيا، ونيجيريا، والكاميرون: أسماء مختلفة، لكنّ القاسم المشترك واضح. مزيد من الصلابة التكتيكية، وانضباط أعلى، ولاعبون اعتادوا اللعب في مستويات تنافسية رفيعة. لم تعد إفريقيا تكتفي بالمفاجآت الفردية، بل أصبحت تفرض حضورها كقوة جماعية متماسكة.
ويبقى الاستثناء الوحيد هو تونس الّتي خرجت مبكرًا، لكنّ هذا الإقصاء يزداد بروزًا لأنّ بقية ممثلي القارة قدّموا أداءً قويًّا ونتائج لافتة.
فرنسا، المرشح المخيف
ثلاث مباريات، وثلاث انتصارات، وعشرة أهداف، وهجوم يغيّر سرعته من دون إنذار. لم يكتفِ الفريق الأزرق “الديوك” بإنهاء الدور في الصدارة، بل شكل تهديدًا حقيقيًّا.
مبابي يجذب الدفاعات، وديمبيلي يحسم، ودويه يسجل، وماينيان يغلق اللحظات الصعبة، وعلى الدكة أوراق هجومية إضافية مثل باركولا، وشرقي، وغيرهما، تمنح المنتخب عمقًا يصعب مجاراته. لا تتوقف قوة فرنسا هنا على التشكيلة الأساسية، بل تمتد إلى البدلاء.
أكد فوز 4-1 على النرويج هذا التفوق. وحتى أمام خصم منقوص، لعبت فرنسا بعقلية المرشح: ضغط عالٍ، وعمق هجوميّ، وحسم سريع عند أول فرصة. ولم يقدّم أي منتخب آخر هذا الزخم الهجوميّ في الدور الأول هذا.
ستة أهداف لميسي، ويبقى القائد
قيل إنه في مرحلة إدارة الجهد، لكنّه يرد بأرقام واضحة. ستة أهداف، وصدارة المجموعة، وحضور دائم في اللحظات الحاسمة.
لم يعد ميسي يعتمد على كثافة الجري، بل على الفعالية. تحركات من دون جدوى أقل، وقراءة أذكى للملعب، ونزول محسوب لاستلام الكرة، وتمريرات بإيقاع دقيق، وحضور ثابت في منطقة القرار.
ليست الأرجنتين الأكثر إبهارًا، لكنّها مع ميسي بهذه الحالة تبقى فريقًا يعرف كيف يدير المباريات، ويصبر، ثم يحسم. لم يفقد حامل اللقب ذاكرة المواعيد الكبرى.
الرأس الأخضر، وقصة الدور الأول
الرأس الأخضر هو العنوان الأبرز في هذا الدور، لكن ليس كصدفة عابرة. ثمة هوية واضحة: كتلة متماسكة، وانضباط تكتيكيّ، وشجاعة في المواجهة، وقدرة على الصمود واستغلال المساحات.
ليس فريقًا يعتمد على الحظ أو العاطفة، بل يعرف متى يغلق مناطقه ومتى يضرب في الفراغات المناسبة. في كأس العالم، يستطيع هذا النوع من الفرق إزعاج الأكبر منه.
قدّم الرأس الأخضر نموذجًا لما يتعين أن يكون عليه الدور الأول: مفاجأة منطقية، وليس مجرد قصة عابرة.
النرويج، الفايكينغ في المشهد
لا ينبغي أن تخفيَ الخسارة الثقيلة أمام فرنسا الصورة كاملة. فقد قدّمت النرويج مؤشرات واضحة على القوة: حضور بدنيّ قويّ، وتأثير مباشر في الالتحامات، وقدرة على فرض إيقاعها في الثلث الهجوميّ.
مع إيرلينغ هالاند كنقطة ارتكاز، تُجبر النرويج الخصوم على التراجع وإعادة تموضعهم دفاعيًّا. وحوله، يمنح الحجم البدنيّ، وكثافة الجري، والكرات الثانية، فريقًا صلبًا في الصراعات، صعب الاختراق، وقادرًا على إزعاج أي منافس.
لم تبلغ بعد مستوى المنتخبات الكبرى، لكنّها كسبت الأهم: الاحترام والتعامل معها كخصم حقيقيّ.
الأسوأ أداءً
الأوروغواي، خروج عن المسار
كان يُنتظر الكثير من أوروغواي: هوية واضحة، وشراسة معتادة، وصورة المنتخب الّذي لا يرغب أحد في مواجهته. فريق قادر على الضغط، وكسر الإيقاع، والضرب في اللحظات الحاسمة.
لكنّ الواقع جاء أقل من التوقعات: ضعف في التحكم بإيقاع المباريات، وغياب للحدّة في الثلث الأخير، وعدم القدرة على تحويل الروح القتالية إلى أفضلية حقيقية في النتيجة.
بالنسبة إلى منتخب بهذا التاريخ وهذه المعايير، بدا الدور الأول وكأنّه تعثر واضح، وخروج عن المسار الطبيعيّ.
تركيا، وعود تبخرت
دخلت تركيا البطولة بموهبة واضحة وضجيج كبير حولها، وبصفتها أحد أبرز المرشحين للمفاجأة. وعلى الورق، كانت المقومات مغرية: سرعة، ومهارة، وقدرة على خلق الإيقاع.
لكنّ الاستمرارية غابت على أرض الملعب. تذبذب في الأداء، وضعف في إدارة فترات المباراة، وعدم استغلال المساحات المؤثرة بشكل كافٍ.
الفارق بين الإمكانات والتنفيذ كان حاسمًا، ولم تنجح تركيا في تحويل قدراتها إلى مشروع متكامل في الملعب.
تونس، تيار إفريقيّ معاكس
في دور أول طبعته الصحوة الإفريقية، بدت تونس حالة استثنائية من خارج النسق العام. ليس لغياب الرغبة، بل لغياب الفاعلية واتساع الفجوة بين الجهد والنتيجة.
حضور هجوميّ محدود، وتهديد ضعيف في الثلث الأخير، وقلة في السلاسل الهجومية القادرة على دفع الخصم إلى التراجع. في هذا المستوى، لا يكفي التماسك الدفاعيّ وحده؛ ولا بد من قدرة حقيقية على صناعة الخطر.
خرجت تونس كصورة معاكسة لقارة فرضت نفسها بقوة على المشهد.
هجمات بلا أنياب
امتلكت منتخبات متعددة الكرة من دون أن تمتلك المناطق. استحواذ منظم وتمرير نظيف، إنّما بلا عمق كافٍ، وبلا تحركات عمودية، وبلا كثافة في داخل منطقة الجزاء أو لمسة أخيرة حاسمة.
أعاد الدور الأول تأكيد قاعدة واضحة: ليست السيطرة تهديدًا. والفِرق الّتي تدور حول الكتلة الدفاعية من دون اختراقها، غالباً ما تُعاقَب في التحولات أو عبر الكرات الثابتة.
في هذا المونديال، تقلص زمن اتخاذ القرار بشكل واضح. ومع غياب العمق الهجوميّ، والاختراق، والهدّاف الحاسم، يتحول الاستحواذ إلى سيطرة شكلية بلا أثر.
المرشحون بلا هيبة
مرّ بعض الكبار، لكنّ العبور لا يعني الإقناع. ألمانيا، وإنجلترا، وإسبانيا: لكل منها حججه، إنّما لا أحد فرض سيطرة كاملة على مجريات دور المجموعات.
لا زالت ألمانيا تعاني عدم الاستقرار. وتعتمد إنجلترا بشكل كبير على كين وبيلينغهام. وتفرض إسبانيا الإيقاع، غير أنّها تفتقد إلى الحسم في اللحظات الأخيرة. لا مؤشرات سلبية حادة، إنّما أيضًا ما من صورة لفريق يُرعب المنافسين.
لم يتوَّج الدور الأول بطلًا، لكنّه رسم ملامح واضحة: فرضت فرنسا الهيبة، وأجادت الأرجنتين إدارة المباريات، وفرضت إفريقيا حضورًا لافتًا، بينما يُطالَب بعض المرشحين المُعلن عنهم بإثبات أنّهم أكثر من مجرد أسماء على الورق.
مواضيع ذات صلة :
المونديال يشعل الشوارع اللبنانية… احتفالات وإطلاق نار وإشكالات | الجزائر والنمسا إلى دور الـ 32 للمونديال بعد تعادل مثير | ميسي أول لاعب يسجل في 7 مباريات متتالية بالمونديال |




