عون إلى واشنطن… رئيسًا لاستقلاليّة القرار

لن يذهب الرئيس عون إلى واشنطن حاملًا أوراق استجداء، بل مشروع دولة. لن يذهب ليطلب حماية، بل ليقول إنّ لبنان قرّر أن يحمي نفسه بدولته ومؤسّساته، وأنّ زمن ازدواجيّة القرار يقترب من نهايته.
كتب أسعد بشارة لـ”هنا لبنان”:
لا تتفاجأوا برئيس الجمهورية جوزاف عون. مَن يتفاجأ به لم يقرأ الرجل جيّدًا، ولم ينتبه إلى أنه دخل قصر بعبدا وهو يحمل خريطة طريق واضحة، لا مكان فيها للالتباس ولا للمناورات التي استنزفت الجمهورية لعقود. يعرف إلى أين يريد أن يصل، ويعرف أن الزمن الرئاسي ليس مساحةً لإدارة الانهيار، بل فرصة لإنهاء أسبابه.
يُمهل ولا يُهمل. يُفاوض عندما تقتضي المصلحة، ويحسم عندما تحين اللحظة. أمّا أكثر ما يرفضه فهو أن تتحوّل السنوات الست إلى ولاية لتدوير الزوايا وتأجيل الانفجار. لذلك بدا منذ البداية كمَن قرّر أن يغامر بنجاحه السياسي من أجل نجاح الدولة، لا أن يغامر بالدولة من أجل بقائه السياسي.
الاتفاق التاريخي لم يكن مجرّد تفاهم أمني أو سياسي، بل كان إعلانًا بأنّ شرعية الدولة استعادت موقعها المتقدّم على شرعيّة السلاح، وأن رئيس الجمهورية استطاع أن يفرض معادلةً جديدةً عنوانها أنّ القرار اللبناني يصدر من المؤسّسات، لا من فوهات البنادق. إنّها المرة الأولى منذ سنوات طويلة التي يشعر فيها اللبنانيون بأنّ الدولة تفاوض باسمهم جميعًا، لا باسم موازين القوى التي فرضتها الميليشيات.
ولهذا، فإنّ الاتفاق لم يمنح جوزاف عون انتصارًا شخصيًّا، بل منحه شرعيّة الإنجاز. أثبت أنه لا يبحث عن صورة رئيسٍ يجلس مطمئنًّا فوق كرسيّه، بل عن مكانٍ في ذاكرة اللبنانيين كرئيس أعاد تعريف وظيفة الرئاسة. لم يقبل أن يكون شاهدًا على أفول الدولة، بل اختار أن يكون شريكًا في ولادتها الجديدة، مهما ارتفعت الأكلاف السياسية.
زيارة واشنطن تأتي في هذا السياق تمامًا. لن يذهب حاملًا أوراق استجداء، بل مشروع دولة. لن يذهب ليطلب حماية، بل ليقول إنّ لبنان قرّر أن يحمي نفسه بدولته ومؤسّساته، وأنّ زمن ازدواجيّة القرار يقترب من نهايته. سيذهب رئيسًا يعرف أنّ احترام العالم للبنان يبدأ من احترام اللبنانيّين لدولتهم، وأنّ الدعم الدولي يُصبح ممكنًا عندما يُصبح القرار الوطني مستقلًّا.
قد يختلف اللبنانيون حول السياسات، لكنّهم سيدركون مع الوقت أن جوزاف عون لا يخوض معركة ولاية، بل معركة وطن. وإذا نجح في استكمال هذا المسار، فلن تكون زيارته إلى واشنطن مجرّد محطة دبلوماسية، بل لحظة تثبيت لولادة لبنانٍ جديدٍ، عنوانه الأكبر استقلاليّة القرار، ودولته المرجع الوحيد، ورئيسه رجل اختار أن يُسجِّل اسمه في صفحة الإنقاذ، لا في دفتر إدارة الأزمات.
مواضيع مماثلة للكاتب:
البهورة الإيرانية وصلابة الدولة اللبنانيّة | لماذا لا يستطيع الحزب إسقاط الحكومة؟ | إيران تفشل في الوصاية على ملف لبنان |




