قزحيا… الدير الذي صمدت فيه الكتب

كتبت Bélinda Ibrahim لـ”Ici Beyrouth“:
غالبًا ما يُحكى عن لبنان بذكر أزماته وحروبه وقادته. غير أنّ ثمة أماكن، متناثرة بين الجبال والوديان والمدن، تروي قصصًا أخرى عن هذا البلد. عواصم قديمة، وخطوط سكك حديد مهجورة، ومعابد خفية، ومصحات متروكة، ومواقع أثرية مجهولة، جميعها تشهد بصمت على عصور مضت. سلسلة لإعادة اكتشاف لبنان من خلال أماكن أسهمت في تشكيل هويته.
في عمق وادي قاديشا، ينهض دير قزحيا منذ أكثر من ألف عام مكانًا للصلاة والخلوة. لكنه شكّل أيضًا ملاذًا للمخطوطات، وواحدًا من مراكز الطباعة الأولى في المشرق، في تذكير بأن جبال لبنان لم تحمِ البشر وحدهم، بل صانت المعرفة أيضًا.
كلما توغلنا في وادي قاديشا، خفت ضجيج العالم تدريجيًا. تضيق الجروف الصخرية، وتبدو الأديرة وكأنها معلقة على الجبال، بينما تقود المسارات إلى زمن آخر. في هذا المشهد القاسي، يواصل دير مار أنطونيوس قزحيا حضوره منذ أكثر من ألف عام. يقصده الزائرون طلبًا للسكينة أو التأمل الروحي، وغالبًا ما يغفلون عن دوره العميق في حفظ المعرفة ونقلها في المشرق.
لا تُختزل قصة دير قزحيا في الشعائر الدينية أو حياة الرهبان، بل تُقرأ أيضًا في المخطوطات التي نُسخت فيه بصبر على مدى عشرات السنين، وفي الكتب التي حُفظت بين جدرانه حين عصفت الحروب بالمنطقة، ثم في أوائل المطبوعات التي خرجت من مطبعته. هنا، لم ينفصل الإيمان عن الثقافة يومًا، بل تداخل الاثنان في مسار واحد.
المخطوطات وجدت ملاذها في الجبل
إذا أصبح وادي قاديشا ملجأً للجماعات المسيحية الشرقية، فقد أصبح أيضًا ملاذًا لمكتباتها. إذ شكّل كل مخطوط ثمرة أسابيع، وأحيانًا أشهر، من العمل الدقيق، وكان فقدانه يعني ضياع جزء من الذاكرة الجماعية. لذلك أدركت الأديرة مبكرًا أن حماية البشر لا تكفي، بل لا بد أيضًا من صون النصوص التي تحمل لغتهم وطقوسهم وتاريخهم.
في دير قزحيا، نسخ الرهبان، على مدى قرون، أعمالًا دينيةً، إلى جانب تواريخ، وشروح لاهوتية، ونصوص كُتبت بالسريانية ثم بالعربية. وتطلّب هذا العمل إتقانًا للغات، وانضباطًا يوميًا، ودقةً عالية. وقبل ظهور الجامعات الحديثة في لبنان بوقت طويل، كوّنت هذه المجتمعات الرهبانية رجالًا قادرين على القراءة والكتابة والترجمة والتعليم.
وهكذا، لا يُعتبر وادي قاديشا مجرد موقع روحي ماروني بارز، بل أيضًا واحدًا من أهم خزائن التراث المكتوب في المشرق.
مطبعة استقرّت في عمق الوادي
في مطلع القرن السابع عشر، شهد دير قزحيا حدثًا منحه مكانةً خاصةً في تاريخ المنطقة الثقافي. ففي عام 1610، طبع الدير “مزامير قزحيا”، وهو أول كتاب يُنشر باستخدام مطبعة ذات حروف متحركة في الجزء الشرقي من الدولة العثمانية. كُتب بالسريانية وبالكرشوني، فشكّل علامةً فارقةً على دخول الدير مرحلة جديدة في تاريخ المعرفة.
قد يبدو إنشاء مطبعة في وادٍ معزولٍض إلى هذا الحد أمرًا مفاجئًا، لكنه يكشف في الواقع عمق الروابط الفكرية التي جمعت رجال الدين في لبنان بالتيارات الثقافية الكبرى في عصرهم، ولا سيما مع روما. فلم ينعزل الرهبان عن العالم، بل شكّلوا جزءًا من حركة تبادل للأفكار والتقنيات، مع تكييف هذه الابتكارات بما يخدم حاجات مجتمعاتهم.
لم تُلغِ المطبعة عمل النسّاخ، إذ استمر التعايش بين الطريقتين جنبًا إلى جنب فترة طويلة. لكن ظهور الحروف المتحركة أتاح انتشار النصوص على نطاق أوسع، وفتح فصلًا جديدًا في تاريخ الكتابة في المشرق.
ذاكرة تتجاوز جدران الدير
لا يقتصر تراث قزحيا على عمارة الدير أو قِدمه، بل تكمن ثروته الحقيقية في ما أتاح حفظه ونقله عبر الزمن. إذ تشهد كل مخطوطة حُفظت، وكل كتاب مطبوع، على جهد صبور في صون لغة وفكر وتقاليد امتدت عبر القرون.
تمنح هذه المهمة الدير مكانةً فريدةً في تاريخ لبنان. ففي حين تُذكّر مواقع أخرى بالسلطة، أو الفتوحات، أو التبادلات التجارية، يذكّر دير قزحيا بأن الحضارة تُبنى أيضًا في صمت المكتبات. وقد عبرت النصوص التي نُسخت فيه، ثم طُبعت، الأجيال، وأحيانًا الحدود، وأسهمت في إبقاء إرث حي يتجاوز بكثير الإطار الديني.
وعند مغادرة الوادي، يحتفظ الزائر بصورة طبيعة آسرة. لكن كنز دير قزحيا الحقيقي لا يكمن في المنحدرات الصخرية فحسب، بل في تلك الصفحات التي كُتبت بصبر، ثم طُبعت، وحفظت جزءًا من ذاكرة المشرق وأوصلته إلينا عبر الزمن.
المقال التالي: أنفة… القرية التي لا تزال تحصد البحر.
مزامير قزحيا
في عام 1610، طبع دير قزحيا “مزامير قزحيا”، وهو أول كتاب يُنشر باستخدام مطبعة ذات حروف متحركة في الجزء الشرقي من الدولة العثمانية. كُتب بالسريانية وبالكرشوني، ويُعد محطة أساسية في تاريخ الطباعة المشرقية.




