خفايا جنازة!

كتب Charles Chartouni لـ ”Ici Beyrouth”:
تختزل جنازة المرشد الإيراني مختلف مراحل ملحمةٍ مروّعة. فهل نحن أمام سيناريو أفول نظام، أم انطلاقة جديدة، أم مجرّد محطة انتقالية؟ يعكس طابع المراسم الاحتفاليّ المتكلّف التناقضات الّتي ينطوي عليها نظام دمويّ، يأمل في الإفلات من نهاية لا ينفك يؤجّلها، عبر القمع الوحشيّ في الداخل والسياسات التخريبية في الخارج. وهو، في نهاية المطاف، على اقتناع راسخ باستمراريّته مهما بلغت الكلفة. تلك هي العبرة الوحيدة الّتي يمكن استخلاصها من هذه المناورات الّتي لا تنتهي، مع أنّ المشهدَيْن السياسيّ والاجتماعيّ لا يبعثان على الاطمئنان.
تحاول هذه الجنازة كسر عزلة النظام، وإيهام الداخل والخارج بصورة زائفة عن عودة الأمور إلى مسارها الطبيعيّ، واستئناف التواصل مع بيئة جيوسياسية كانت، حتى الأمس القريب، معادية له بلا مواربة. وقد أرادت السلطة الإيرانية أن تجعل منها مناسبة جامعة، في حين يرفض المشهد الجيوسياسيّ هذه المظاهر الخادعة الّتي يسعى النظام الحربيّ هذا إلى تسويقها. ويعكس هذا الحشد المتباين واقع سلطة إيرانية مأزومة، تسعى إلى ترميم شرعية متآكلة، واحتواء التنافسات، وإعادة نسج علاقاتها.
أمّا المدعوّون بغالبيتهم، فيعكسون بدورهم حالة عدم اليقين الّتي تعيشها الأنظمة القائمة، والنزاعات الإثنية، والتوازنات الهشّة الّتي يقوم عليها نظام إقليميّ ممزّق. هذا بصرف النظر عن محاولات كل دولة من الدول الإسلامية الكبرى المُحيطة تقديم صورة عن فضاء جيوسياسيّ متماسك تحكمه توافقات راسخة، فيما الواقع يناقض ذلك تمامًا. من جهته، يسعى المحور الروسيّ – الصينيّ بنزعته الشمولية الجديدة إلى فرض نفسه محاورًا لا غنى عنه، على الرغم من أنّه لا يحتل أي موقع فعليّ في البنية الجيوستراتيجية القائمة. وإلى جانب الاستمرارية المؤسّسية، تبرز ظاهرة أكثر عمقًا تتمثل في استنزاف نظام قائم على سردية إيديولوجية سقطت بالكامل.
ومهما بلغت أهمية المنظور الجيوستراتيجيّ، فهو لا يحجب تصدّعات نظام فقد كل مصداقيته. فالسردية الإيديولوجية الّتي تمثل حصيلة خمسة عقود من الحكم الشموليّ، ومفاعيل إمبريالية تخريبية أضرمت النار في المنطقة، لا يؤمّنان مرتكزًا مؤسساتيًّا متماسكًا وفاعلًا للنظام، أو يضمنان أسباب بقائه. كما لا يمكن أن تمنح الإخفاقات المتضافرة لحوكمة عاجزة، وما أفضت إليه من تداعيات كارثيّة على مختلف المستويات، أي مصداقيّة لهذا السرد. هذا فضلًا عن آثار مدمّرة يتسبّب بها فساد بنيويّ، ومجتمع أنهكته الأمراض الاجتماعية الّتي خلفتها ديكتاتورية ظلامية. وتبقى القراءة الّتي تغفل المفاعيل المتعددة والمتراكمة المتعلقة بمسار إنتروبيّ شامل ومتفشٍّ، محدودة القدرة التفسيرية. ولم تفعل الهجمة الأميركية – الإسرائيلية المضادة سوى كشف واقع تآكل جارٍ.
لذلك، ينبغي التمعّن في مفاعيل المفاوضات الجارية المرتقبة، إذ يتيح ذلك الوقوف على حقيقة المآزق الّتي يتخبّط فيها نظام يقوم على منظومة من الانسدادات المتعددة والمتشابكة. فهو يجمع بين ديكتاتورية دموية تفتقر إلى أي شرعية، وحوكمة مختلّة في مختلف وجوهها، ونزعة إمبراطورية تسعى إلى إحياء ديناميّة التخريب، وحالة من الذهان المؤسساتيّ تجعل أي مراجعة نقدية للماضي ضربًا من المستحيل. ويعود التعثر المتكرر في المفاوضات إلى الاستثنائية الإيديولوجية العابرة للحدود الّتي ينسبها النظام إلى نفسه، في حين لا ينفكّ يلجأ إلى المؤسسات الدولية لمعالجة أزماته.
ولا يؤدي تساهل الدبلوماسية الأميركية غير المبرّر سوى إلى إضفاء المشروعية على المناورات وأعمال التعطيل الّتي يعتقد النظام أنّه قادر على تدبيرها بلا حدود. فالمفاوضات المتعلّقة بمضيق هرمز تتجاهل القانون الدوليّ المنظم للممرات البحرية، فيما تتأرجح قضية تخصيب اليورانيوم بين مراوغة وأخرى. وتُطرح مسألة الصواريخ الباليستية كما لو أنّ الأمر يتعلق بنظام مسالم لا يحمل في سجلّه عقودًا من الحروب الإمبراطورية وسياسات الإرهاب. كذلك، يُدرج ملف المنصات العملياتية المتكاملة من جديد، بصورة ملتوية، أملًا في استئناف سياسة التخريب. وفي المقابل، يخضع أمر رفع العقوبات المالية ومشاريع إعادة الإعمار إلى السلطة التقديرية لزمرة من القتلة تتدثّر بعباءة الشرعية. ولا يلوح أي مخرج من هذا التشابك الصراعيّ ما لم يجرِ تفكيك مكوّناته، ومحاور تشابكه، وصيغها المتحوّلة.
وتتمسّك السياسة الأميركية، من جهتها، بمبدأ التفاوض الحازم بشأن مجمل الملفات المطروحة، فيما يُضاعف النظام الإيرانيّ آليات الالتفاف، ويزداد انغلاقًا ضمن منطق تصعيديّ قائم على المواجهة، غايته إعادة فرض إملاءاته وتمييع رهانات التفاوض. وليس هذا المسار المتعرّج، الحافل بالتناقضات، جديدًا؛ فهو لا يعدو كونه إعادة إنتاج لأنماط عمل مستهلكة، وثقافة كذبٍ مؤسّساتية، وإرادة انتقام معلنة بوضوح. مع ذلك، تستمر المفاوضات. فما الّذي يمكن توقعه في نهاية المطاف؟ لا شيء محسوم، سوى حقيقة واحدة: سيضمن بقاء هذا النظام استمرار حالة الاستثناء.
مواضيع ذات صلة :
إجراء انتخابات المرشد الإيراني الجديد… والإعلان قريباً! | بعد تهديد المرشد الإيراني.. بيان للحزب! |




