لبنان والمملكة العربية السعودية: استئناف العلاقات ورسم المسار المناسب

ترجمة هنا لبنان 17 تموز, 2026

كتبت Liliane Mokbel لـ”Ici Beyrouth“:

انطلقت مسيرة استئناف العلاقات بين لبنان والمملكة العربية السعودية، غير أنّ المسار لم يُحدّد بعد.

أُعيد منذ الحادي عشر من حزيران فتح السوق السعودية رسميًّا أمام المنتجات اللبنانية. مع ذلك، يبقى استئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة العربية السعودية، وسائر أسواق الخليج رهنًا بقدرة لبنان على الاستجابة للمتطلبات المشددة في مجالات الرقابة، وإمكان التتبع، والحوكمة. ففي الاقتصاد كما في البحر، لا يكفي فتح الميناء، بل لا بدّ من تهيئة الظروف الملائمة كي ترسوَ السفن فيه أيضًا.

منذ تعليق العلاقات التجارية مع لبنان في نيسان 2021، رفعت المملكة العربية السعودية سقف متطلباتها المتعلقة بدخول البضائع إلى أراضيها، وآليات الرقابة عليها، وإمكان تتبعها، ومدى مطابقتها للمعايير الدولية بشكل كبير. وجاء هذا القرار عقب ضبط 2.4 مليون حبة كبتاغون كانت مخبأة في داخل شحنة من الرمان منطلقة من لبنان ومتجهة إلى السوق السعودية. وفي المقابل، واصل لبنان استيراد المنتجات السعودية، في خطوة فُسرت كتعبير عن الحرص على صون التعاون الاقتصاديّ والروابط التاريخية بين البلديْن.

الرقمنة… بوابة إلزامية إلى السوق السعودية

أصبحت رقمنة إجراءات التصدير والاستيراد، والتخليص الجمركيّ، والتحويلات المالية، شرطًا لا غنى عنه بالنسبة إلى لبنان إذا أراد استعادة اندماجه الكامل في سلاسل التجارة الإقليمية. ففي حين اعتمدت المملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج هذه الأنظمة على نطاق واسع، بات لبنان مطالبًا بمواءمة منصاته وإجراءاته مع هذه المعايير الجديدة، لا سيّما في المجاليْن الضريبيّ والجمركيّ.

ويمر هذا التقارب أيضًا عبر مواءمة الأنظمة الضريبية اللبنانية مع المعايير المعتمدة في دول الخليج. وقد باشرت وزارات الزراعة، والاقتصاد والتجارة، والمالية اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه، غير أنّ هذه الجهود تبقى دون مستوى المتطلبات الّتي تفرضها السوق السعودية.

المصنع… الحلقة الأضعف في الرقابة البرية

إلى جانب تحديث الإجراءات، تشكل دائمًا الرقابة الميدانية على البضائع تحديًّا أساسيًّا. ويُعتبر اليوم معبر المصنع الحدوديّ، البوابة البرية الرئيسة للبنان إلى سوريا وعمقه العربيّ، إحدى أبرز نقاط الضعف، إذ خرج جهاز المسح بالأشعة (السكانر) المخصص للتفتيش عن الخدمة.

وتجري حاليًّا مناقشات للتوصل إلى حل مؤقت. ومن بين السيناريوهات المطروحة نقل الشحنات المخصصة للمملكة العربية السعودية إلى مرفأ بيروت، حيث تخضع للتفتيش بواسطة جهاز المسح بالأشعة، قبل إغلاق الحاويات وإحكام ختمها من قبل شركات مراقبة دولية، ثم نقلها تحت مواكبة الجيش اللبنانيّ إلى معبر المصنع، بحسب صناعيّ تحدث إلى موقع Ici Beyrouth طالبًا عدم الكشف عن هويته.

إمكان التتبع… في صلب المتطلبات السعودية

تندرج مسألة الرقابة هذه في إطار أوسع، يتمثل في رفع سقف متطلبات المملكة العربية السعودية في مجاليْ إمكان التتبع والحوكمة. وتولي الرياض أهمية خاصة للتحقق من هوية المصدّرين وفق مبدأ “اِعرف عميلك” (Know Your Customer – KYC)، المعتمد أساسًا في القطاع الماليّ.

والهدف واضح: ضمان منشأ البضائع، وتحديد هوية الجهات الاقتصادية المصدّرة، وتأمين سلسلة الإمداد بأكملها. وفي موازاة ذلك، استؤنف مؤخرًا تصدير البضائع إلى المملكة العربية السعودية عبر مطار رفيق الحريري الدوليّ في بيروت، بعد توقف دام أسبوعًا، فيما تبقى أسباب تعليق هذه الحركة الدقيقة، واستئنافها غير معروفة، وفق المصدر المشار إليه.

العبور عبر السعودية… بوابة استراتيجية إلى أسواق الخليج

إلى جانب إعادة فتح السوق السعودية، يكتسب قرار آخر أهمية استراتيجية بالنسبة إلى المصدّرين اللبنانيين، ويتمثل في السماح للشاحنات الّتي تنقل بضائع تحمل علامة “صنع في لبنان” بالعبور عبر الأراضي السعودية إلى سائر أسواق الخليج.

ويُحدث هذا القرار تحولًا جوهريًّا في المعادلة، إذ يؤمن للمصدّرين اللبنانيين مسارًا بريًّا أسرع وأقل كلفة، ويعزز قدرة المنتجات اللبنانية التنافسية في مواجهة المنافسة الأجنبية، كما قد يسهم في زيادة الصادرات إلى منطقة تُعتبر منفذًا تاريخيًّا لها.

وتكمن الميزة اللوجستية في تمكّن بلوغ الشاحنة أسواق الخليج في خلال أربعة إلى خمسة أيام، مقابل نحو 18 يومًا عبر النقل البحريّ، وهو فارق زمنيّ حاسم بالنسبة إلى المنتجات سريعة التلف، لا سيّما الفاكهة والخضروات قصيرة الصلاحية.

شرط العشرين عامًا… عقبة أمام النقل البريّ

غير أنّ هذه الفرصة تبقى غير مستثمرة بالكامل. ويتمثل العائق الرئيس في الشرط السعوديّ الذّي يقضي بألّا يتجاوز عمر الشاحنات المستخدمة في العبور 20 عامًا، في حين أنّ جزءًا كبيرًا من أسطول الشاحنات اللبنانيّ متقدم في السن. ويُضاف إلى ذلك المهل اللازمة لاستصدار تأشيرات الدخول للسائقين اللبنانيين. كما يُسمح حصريًّا للسائقين من الجنسية اللبنانية و/أو السعودية بقيادة الشاحنات القادمة من لبنان والمتجهة إلى المملكة.

رغم هذه العقبات، عبرت بالفعل بعض الشاحنات الأراضي السعودية في طريقها إلى الكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة، بما يؤكد أنّ هذا المسار التجاريّ الجديد أصبح قيد التشغيل، وقد يتحول إلى رافعة رئيسة للصادرات اللبنانية.

وفي انتظار تجديد أسطول الشاحنات الوطنيّ، يقترح بعض المراقبين اللجوء مؤقتًا إلى شاحنات أردنية أو سعودية تستوفي المعايير المطلوبة. كما لا يستبعدون مبادرة من الرياض تتمثل في منح استثناء انتقاليّ يسمح للشاحنات اللبنانية الأقدم بمواصلة العبور.

وبحسب مصدر مقرّب من وزارة الأشغال العامة والنقل، يجري وضع اللمسات الأخيرة على تسوية تقضي بالسماح، بصورة مؤقتة، بعبور الشاحنات الّتي يبلغ عمرها 22 عامًا عبر أراضي المملكة.

وبحسب إبراهيم ترشيشي، رئيس نقابة المزارعين اللبنانيين، يتطلب ضمان انتظام الشحنات الأسبوعية إلى أسواق الخليج تأمين ما بين ألف و1,500 شاحنة عاملة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us