البطريرك: روق يا قاسم روق!


خاص 20 تموز, 2026

هل ستلقى دعوة البطريرك الراعي لـ”الحزب” إلى “الرواق” آذانًا صاغية؟ إذا كان الجواب “نعم” فسيكون الأمر بمثابة معجزة. ويعود السبب إلى أن “الحزب” لم يمارس “الرواق” منذ أن انتهى الاحتلال الإسرائيلي للجنوب في أيار عام 2000. وذهب في العام 2006 إلى حرب كادت أن تقضي على لبنان. ثم فعلها مجدّدًا عام 2023 وعام 2026.


كتب أحمد عياش لـ”هنا لبنان”:

يمثل استقبال الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذا الأسبوع في البيت الأبيض رئيس الجمهورية جوزاف عون حدثًا في تاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية ولبنان. فقد مضى 17 عامًا على آخر لقاء مماثل جمع الرئيس الأميركي باراك أوباما والرئيس ميشال سليمان. وتُتيح المقارنة بين التاريخَيْن الفرصة لتبيان فارق هائل بينهما: ففي حين أن لبنان في العام 2009 كان ينعم بسلام ينتشر على امتداد أراضيه، لا سيما في الجنوب حتى الحدود الدولية مع إسرائيل، ها هو في هذه الأيام يُكافح كي تعود سيادته حتى تلك الحدود التي تراجعت إلى أكثر من عشرة كيلومترات بعد الحرب التي فتحها “حزب الله” في الثاني من آذار الماضي ثأرًا لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي.
يتطلّع الرئيس عون، وفق بيان صادر عن قصر بعبدا عشية القمة، إلى إجراء مناقشات “مع عدّة مسؤولين أميركيين حول الوضع في لبنان وسبل تعزيز وقف إطلاق النار”، خاصّةً في الجنوب، وكذلك حول “انسحاب إسرائيل من المناطق اللبنانية التي تحتلها”.
ويشير تقرير وكالة الصحافة الفرنسية إلى أنّ إسرائيل ولبنان اللذين لا تربطهما علاقات دبلوماسية رسمية، قد باشرا مفاوضات برعاية الولايات المتحدة في نيسان الماضي بهدف التوصل إلى اتفاق سلام وإنهاء الحرب الإسرائيلية مع “حزب الله” بشكل دائم. وفي 26 حزيران الماضي، توصلا إلى اتفاق إطار في واشنطن ينصّ على أن ينسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان وينتشر الجيش اللبناني، بدءًا من “منطقتيْن تجريبيتيْن”، والاتفاق مشروط بنزع سلاح “حزب الله” المدعوم من إيران، التي رفضت الاتفاق بشكل قاطع، وكذلك المفاوضات بين إسرائيل ولبنان.
ولفتت الوكالة إلى أن “حزب الله” نظم تجمّعًا في مدينة صور الساحلية السبت الماضي لتأكيد رفضه للخطة.
لا يكفي لبنان أن يمضي في مفاوضات عسيرة مع إسرائيل كي تنسحب مجدّدًا من الجنوب بعدما قامت بذلك في أيار عام 2000 تطبيقًا للقرار 425، بل عليه منع “حزب الله” من جرّ البلاد مُجددًا إلى حرب إسناد جديدة كما فعل في 8 تشرين الأول عام 2023 ثم في 2 آذار الماضي. وترافق ذلك مع استشهاد جندي في الجيش اللبناني في 18 الجاري في نطاق العمل للشروع في تنفيذ المنطقتين التجريبيتين. وذكرت وكالة “رويترز”، نقلًا عن الجيش، إنّ أحد جنوده قُتل وأصيب ضابط وعسكري آخر بجروح إثر انفجار جسم مشبوه بآليّة للجيش في بلدة المنصوري بجنوب لبنان.
وقال الجيش الإسرائيلي إنّ المركبة مرّت فوق عبوة ناسفة في منطقة المنصوري، مُضيفًا أن التحقيق الأولي خلص إلى أنّ العبوة لا تعود للجيش الإسرائيلي، وأن “حزب الله” هو من زرعها على الأرجح.
وأكد الجيش الإسرائيلي أن جنوده لم يكونوا موجودين في المنطقة مؤخرًا، وأنّ مركبة الجيش اللبناني دخلت ما وصفها بالمنطقة الأمنية من دون تنسيق مُسبق مع إسرائيل، خلافًا لما تشترط عليه آلية التنسيق القائمة.
وقال الجيش اللبناني إنه يواصل التحقيق في الواقعة، ولم يقدّم بعد مزيدًا من التفاصيل.
وفي السياق نفسه، ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير من بيروت، أنه مع تصاعد القتال بين إيران والولايات المتحدة السبت الماضي، بدا أنّ التوتّرات تتصاعد أيضًا على طول الحدود الإسرائيلية – اللبنانية. ونفذت طائرة إسرائيلية من دون طيار غارةً جويةً في النبطية، حيث قالت متحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إن الجيش هاجم مسلحين “يُشكّلون تهديدًا” في النبطية.
بدورها، ذكرت صحيفة “هآرتس” العبرية أنه في اليوم التالي لإطلاق الولايات المتحدة موجةً جديدةً من الضربات الليلية على البُنية التحتية الإيرانية، والتي تمثّل الليلة السابعة على التوالي من الهجمات، قال مسؤولون إسرائيليّون إنّ الجيش الإسرائيلي ينفّذ غارات في جنوب لبنان. وقد سُمع صوت انفجارات في أجزاء من شمال إسرائيل، على الرغم من أنه لم يحدث أي تغيير في إرشادات السلامة العامة للجيش الإسرائيلي. وقال الجيش الإسرائيلي لاحقًا إنّه هاجم خلية من “حزب الله” بعد أن حدّد الجنود طائرةً من دون طيار في المنطقة.
يجد كل الذين يتطلّعون إلى تغيير في سلوك “حزب الله”، بما يسهل على لبنان المضي قدمًا في مفاوضاته مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية، صعوبةً في توقع مثل هذا التغيير. وأتى البيان الجديد الذي أصدره المرشد الإيراني مجتبى الخامنئي ليؤكد أن المنطقة تعود إلى مربّع الحرب الذي وجدت استراحة في نيسان الماضي في إطار التفاهم الذي أبرمته واشنطن مع طهران وحمل عنوان تفاهم إسلام آباد. وجاء في البيان: “أثبت نكث الشيطان الأكبر المتكرّر للعهود إزاء مذكّرة التفاهم الموقّعة بين رئيسَيْ إيران وأميركا، مرةً أخرى هذه الحقيقة للجميع، وهي مدى تفاهة توقيع الرئيس الأميركي وافتقاره إلى المصداقية”. وهدّد البيان بأن “لدى الشعب الإيراني العزيز وجبهة المقاومة دروسًا لا تُنسى، وقد أظهرت شجاعة مجاهدي الإسلام وغيرة أبناء منطقة الجنوب الشجعان في هذه الأيام نماذج منها”.
وتصدّر التصعيد العسكري اهتمامات الصحف الإيرانية الصادرة السبت الماضي. وخصّصت صحيفة “همشهري”، التابعة لبلدية طهران، الجزء العلوي من صفحتها الأولى لمُلصق بصري مستوحى من مُلصقات المطلوبين في الغرب الأميركي القديم، تحت عنوان “جائزة مقابل رأس ترامب”، ويتضمّن صورة للرئيس الأميركي، مع كلمات بالإنكليزية تعني “شيطان وقاتل وكاذب”.
بالعودة إلى لبنان، تعاملت قناة “المنار” التلفزيونية مع قمة واشنطن على النحو الآتي: “ذهب رئيسُ الجمهوريةِ إلى واشنطن برجاءِ صورةٍ مع دونالد ترامب، ولتجربةِ المزيدِ من التنازلِ أمام الإملاءاتِ الأميركيةِ. والخشيةُ أن يعودَ من البيتِ الأبيضِ بخُفَّيْ حنينٍ من جديدٍ، ليجرِّبَ بشعبِه ووطنِه مغامراتٍ كارثيةً جديدةً”.
وأتى الردّ على “المنار” وخلفها “حزب الله” من البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي السبت الماضي، على هامش القدّاس الإلهي لمناسبة عيد القديس شربل في ساحة مار حوشب في بقاعكفرا، مسقط رأس قديس لبنان. فردًّا على سؤال حول رسالته لـ”حزب الله”، قال الراعي: “لا بدّ من الحوار ونحن نتفهّمهم، ولكن “بدن يروقو”، ونحن ندعم رئيس الجمهورية بكل طروحاته، فقد شبعنا الحروب ونريد السلام”.
فهل ستلقى دعوة البطريرك الراعي لـ”حزب الله” إلى “الرواق” آذانًا صاغية؟ إذا كان الجواب “نعم” فسيكون الأمر بمثابة معجزة. ويعود السبب إلى أن “حزب الله” لم يمارس “الرواق” منذ أن انتهى الاحتلال الإسرائيلي للجنوب في أيار عام 2000. وذهب في العام 2006 إلى حرب كادت أن تقضي على لبنان. ثم فعلها مجدّدًا عام 2023 وعام 2026.
شنّ “حزب الله” منذ العام 2006 ثلاث حروب، فهل ستكون الحرب الثالثة في عام 2026 هي الثابتة؟ وتمثّل دعوة البطريرك إلى الحزب وأمينه العام الشيخ نعيم قاسم إلى “الرواق” آخر نداء كي يصعد الأخير إلى قارب “الدولة” للنّجاة من زمن لن يكون فيه متسع للرواق بعد الآن.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us