الرئيس في واشنطن… اختبار لقدرة لبنان على استعادة دولته

إنّ نجاح زيارة واشنطن لن يُقاس بعدد الصور أو البيانات المشتركة، بل بما ستنتجه من نتائج ملموسة، من انسحاب إسرائيلي تدريجيّ، وتثبيت الاستقرار، ودعم الجيش، إلى تحريك عجلة الاقتصاد والاستثمار.
كتب بشارة خير الله لـ”هنا لبنان”:
ليست زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى الولايات المتحدة مجرّد موعد رئاسي أو دبلوماسي عابر، بل تبدو من أكثر المحطّات حساسيّةً منذ سنوات، لأنّها تأتي في لحظةٍ تتقاطع فيها التحوّلات الإقليمية مع حاجة لبنان إلى إعادة تثبيت موقعه على الخريطة الدولية. وقد شكّل اللقاء الإيجابي مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مؤشرًا إلى وجود استعداد أميركي لمقاربة مختلفة تجاه لبنان، فيما تبقى الأنظار متّجهة إلى اللقاء المرتقب مع الرئيس دونالد ترامب، باعتباره المحطّة التي قد تحدّد اتجاهات المرحلة المقبلة.
الفرصة المُتاحة أمام لبنان اليوم لا تكمن فقط في تحسين العلاقات الثنائية مع واشنطن، بل في تحويل الدعم السياسي إلى خطوات عملية. وفي مقدمة هذه الخطوات، ممارسة ضغط أميركي فعلي على إسرائيل لاستكمال انسحابها من الأراضي اللبنانية المحتلّة، ووقف المناورات التي تعيق أي استقرار دائم. فالولايات المتحدة تبقى الطرف الدولي الأكثر قدرةً على التأثير في القرار الإسرائيلي، وإذا اقترن هذا النفوذ بإرادة سياسية واضحة، يستطيع لبنان أن يحقّق تقدمًا لم يكن مُتاحًا في السنوات الماضية.
لكن السياسة لا تقوم على المطالب وحدها، بل على التزاماتٍ متبادلة. فلبنان الرّسمي مطالب بأن يثبت لشركائه الدوليّين أنّ مشروع الدولة ليس شعارًا ظرفيًّا، بل خيارًا نهائيًّا. ومن هنا، تصبح حصرية السلاح بيد الدولة الركيزة الأساسية لأي دعم خارجي، لأنّ المجتمع الدولي لن يغامر بالاستثمار السياسي أو الاقتصادي في دولة تتعدّد فيها مراكز القرار الأمني والعسكري.
المسؤوليّة هنا لا تقع على عاتق رئاسة الجمهورية وحدها، بل تمتدّ إلى الحكومة والمؤسّسات العسكرية والأمنية. فالجيش اللبناني مُطالب باستكمال دوره كمرجعيّة وحيدة لحماية الحدود وحفظ الأمن الداخلي، ومنع أي فصيل مسلّح من إعادة إنتاج واقع السلاح الخارج عن سلطة الدولة، مهما كانت الذرائع أو الظروف.
فسيادة الدول لا تُقاس بحجم الشعارات، بل بقدرتها على احتكار القوة الشرعية وتطبيق القانون على الجميع من دون استثناء.
إنّ نجاح زيارة واشنطن لن يُقاس بعدد الصور أو البيانات المشتركة، بل بما ستنتجه من نتائج ملموسة، من انسحاب إسرائيلي تدريجيّ، وتثبيت الاستقرار، ودعم الجيش، إلى تحريك عجلة الاقتصاد والاستثمار.
وفي المقابل، سيكون على لبنان أن يثبت أنه شريك موثوق، قادر على تنفيذ تعهّداته، لا الاكتفاء بإطلاق الوعود.
قد تكون هذه الزيارة نافذة نادرة في زمن الأزمات، لكنّ النوافذ لا تبقى مفتوحةً إلى الأبد. فإذا أحسن لبنان استثمارها، فقد يبدأ مسار استعادة الدولة وسيادتها الكاملة.
أمّا إذا ضاعت بين الحسابات الداخلية والتردّد السياسي، فستتحوّل إلى فرصة أخرى تُضاف إلى سجل الفرص المهدورة الذي أثقل كاهل اللبنانيين لعقود.
ويبقى السؤال الأهم عالقًا بين عدم رغبة من هنا وعدم قدرة من هناك: كيف السبيل إلى إسقاط سرديّة الحزب من أذهان بيئته، بعد انكشاف فشل مشروعه العسكري أمام نجاح المسار السياسي والدبلوماسي الذي اعتمدته الدولة؟
مواضيع مماثلة للكاتب:
بين واشنطن وبيروت.. لا وصاية بعد اليوم | دموعٌ في طهران وصمتٌ على أنقاض لبنان… “إبكِ بترتاح”! | حين يصبح الجنوب أول الرابحين! |




