22 ساعة من دون تغذية: لماذا انتكست كهرباء لبنان مجددًا؟!

ترجمة هنا لبنان 23 تموز, 2026

كتبت Liliane Mokbel لـ”Ici Beyrouth“:

من جديد، يواجه اللبنانيون واقعًا قاسيًا، يتمثل في نحو 22 ساعة من انقطاع الكهرباء يوميًّا. وحتى لو ساهمت موجات الحر الصيفية، وتقادم شبكة الكهرباء في تفاقم الأزمة، تعود أسباب هذه الانتكاسة، بالأساس، إلى عوامل مالية وسياسية. فبسبب غياب السيولة، اضطرت مؤسسة كهرباء لبنان إلى خفض إنتاجها، ما زاد اعتماد الأسر والمؤسسات على المولدات الخاصة.

وفي مقابلة مع موقع “Ici Beyrouth”، يوضح وزير الطاقة والمياه جو صدي أسباب هذه الأزمة الجديدة، ويشرح الشروط المطلوبة للعودة إلى تغذية كهربائية مستقرة ومستدامة.

لا خطر عتمة شاملة، بل كهرباء رهينة التمويل

رسالة صدي الأولى واضحة: لبنان ليس مهددًا بانقطاع كهربائيّ شامل. وينفي الوزير الشائعات المتداولة منذ أيام، مؤكدًا أنّ سفينة محملة بالمازوت وصلت إلى قبالة السواحل اللبنانية قبل نحو عشرة أيام، وأنّ حمولتها أُفرغت فعلًا. ويتيح هذا الإمداد الشهريّ، في الوقت الراهن، تأمين الحد الأدنى الضروريّ لاستمرار الإنتاج.

غير أنّ هذه الآلية تبقى مرتبطةً بشرط حاسم: أن تتمكن مؤسسة كهرباء لبنان من تسديد مستحقات مورديها في المواعيد المحددة. وهنا تكمن المشكلة الأساسية.

فخزائن المؤسسة العامة شبه فارغة. ومع شحّ السيولة، اضطرت كهرباء لبنان إلى تقليص إنتاجها، ما أدى إلى العودة إلى نحو 22 ساعة من التقنين يوميًّا.

وعلى الرغم من هذا التراجع، يرفض صدي العودة إلى الأسلوب الّذي كان معتمدًا في السابق، والقائم على تمويل المؤسسة بشكل ظرفيّ عبر سلفات جديدة من الخزينة العامة.

ويختصر موقفه بالقول: “لم يعد من مجال لإغراق الدولة بمزيد من الديون لتغطية عجز كهرباء لبنان”.

ومنذ توليه منصبه في شتاء عام 2025، جعل الوزير مبدأ تمويل المؤسسة العامة الذاتيّ محورًا أساسيًّا في سياسته لقطاع الطاقة، ووضع بذلك حدًّا لنهجٍ استمر العمل به لسنوات طويلة.

لماذا جفّت خزائن كهرباء لبنان؟

قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب بين حزب الله وإسرائيل في السابع والعشرين من شباط الماضي، بلغت التغذية الكهربائية نحو تسع ساعات يوميًّا، وهو مستوى غير مسبوق منذ سنوات.

لكنّ التصعيد العسكريّ بين حزب الله وإسرائيل قلب المعادلات الاقتصادية الّتي قام عليها مسار إنقاذ قطاع الكهرباء، وأعاد الأزمة إلى الواجهة.

فالتعرفة الّتي تستوفيها مؤسسة كهرباء لبنان عن كل كيلوواط ساعة بقيت ثابتة، في حين أنّ نموذجها الماليّ مبنيّ على أساس سعر مازوت يقارب ألف دولار للطن. غير أنّ كلفة الوقود الحالية تجاوزت هذا الافتراض بنحو 39%، ما أدى إلى تقليص كبير في قدرتها المالية على الاستمرار.

وإدراكًا لهذا الواقع، اقترح وزير الطاقة والمياه، قبل شهرين، تعديل تعرفة الكهرباء، بهدف الحفاظ على توازن مؤسسة كهرباء لبنان الماليّ، والتحسّب لأي اضطرابات محتملة في إمدادات المحروقات.

غير أنّ مجلس الوزراء رفض الاقتراح، إذ جعلت ظروف الحرب أي زيادة على الفواتير قرارًا بالغ الحساسية من الناحية السياسية.

إلى ذلك، جاءت إعفاءات الدفع الممنوحة لسكان المناطق المتضررة لتزيد الضغط على مالية المؤسسة. وهي خطوة يصفها الوزير بالمبرّرة اجتماعيًّا، لكنّه يشدد على ضرورة أن تتحمل الدولة كلفتها عبر الموازنة.

ويؤكد صدي: “عندما تقرر الدولة منح إعفاءات، تتحمل هي كلفتها، لا كهرباء لبنان ولا أي مشتركين آخرين”.

الدولة… أكبر مدين لمؤسسة كهرباء لبنان

وفي مفارقة تعكس عمق الأزمة، تمثل الدولة كبرى المتخلفين عن تسديد المستحقات لكهرباء لبنان. ففي الواحد والثلاثين من كانون الأول 2025، تجاوزت ديون الإدارات والمؤسسات العامة للمؤسسة 268 مليون دولار.

ومنذ ذلك الحين، واصلت هذه الديون ارتفاعها بمعدل يقارب 60 مليون دولار شهريًّا، لتبلغ المتأخرات حاليًّا نحو 628 مليون دولار، وفق تقديرات وزارة الطاقة.

فعلى سبيل المثال، كان مطار رفيق الحريري الدوليّ مدينًا في نهاية عام 2025 بنحو 30 مليون دولار، فيما بلغت مستحقات مؤسسة مياه لبنان الجنوبيّ 80 مليون دولار.

وعلى الرغم من أنّ رئيس الحكومة نواف سلام طلب من الإدارات العامة تسوية ديونها تجاه كهرباء لبنان، لم يُترجَم هذا التوجيه حتى الآن إلى نتائج ملموسة.

ولتخفيف العبء الماليّ عن المؤسسة، يقترح صدي خطةً لتسديد المتأخرات تدريجيًّا.

ويقول: “اقترحت تسديد الديون المتراكمة بمعدل 50 مليون دولار شهريًّا”.

الكهرباء المستدامة… ما هي الشروط المطلوبة؟

بالنسبة إلى مؤسسة كهرباء لبنان، أسباب التقنين المباشرة واضحة: ضعف القدرة الإنتاجية، والارتفاع الكبير في الطلب خلال الصيف، وزيادة كلفة المحروقات، وتداعيات التوترات الإقليمية.

لكن المشكلة لا تقتصر على الجانب الماليّ، بل تشمل أيضًا الجانب التقنيّ. فبحسب المؤسسة، يحتاج استقرار الشبكة إلى إنتاج يبلغ نحو ألف ميغاواط، فيما تتراوح القدرة المتاحة حاليًّا ما بين 320 و350 ميغاواط.

وللمقارنة، تتراوح حاجات لبنان ما بين 2500 و3500 ميغاواط في الظروف العادية، وقد تصل إلى 4000 ميغاواط خلال فترات الذروة الصيفية.

أي أنّ الإنتاج الحاليّ لا يغطي سوى نحو 10 إلى 15% من الطلب الوطنيّ.

ويضعف هذا العجز الشبكة الكهربائية ككل، إذ يؤدي إلى اضطرابات في التردد والجهد الكهربائيّ، ما يتسبّب في خروج تجهيزات عن الخدمة بصورة متكرّرة.

وبحسب صدي، لا يكون الخروج المستدام من الأزمة عبر سلفات ظرفيّة من الخزينة، أو إجراءات طارئة، بل عبر إصلاح وضع مؤسسة كهرباء لبنان الماليّ، وتحصيل المستحقات العامة، واعتماد تعرفة تسمح للمؤسسة بتمويل مشترياتها من المحروقات بصورة دائمة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us