الكنيسة تكرّم الحويّك… وتجدد الرهان بفكرة لبنان!

القيمة الحقيقية لتطويب البطريرك الياس الحويّك لا تكمن في إعادة الاعتبار إلى شخصية صنعت جزءاً من تاريخ لبنان فحسب، بل في إعادة الاعتبار إلى الفكرة التي ناضل من أجلها. فلبنان لا يحتاج اليوم إلى إعادة تأسيس كيانه، بل إلى إعادة تأسيس دولته. ولا يحتاج إلى البحث عن وطن جديد، بل إلى تحرير وطنه القائم من الفساد، ومن كل ارتهان للخارج
كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:
ليست كل الأحداث الكنسية محصورة بجدران الكنيسة، ولا كل قرارات الفاتيكان تُقرأ بمعزل عن الزمن الذي تصدر فيه. فحين يُطوَّب البطريرك الياس الحويّك، بعد أكثر من قرن، يصعب فصل الحدث عن اللحظة التي يمر بها لبنان، ودوره في ولادة لبنان الكبير.
يعيش لبنان واحدة من أكثر مراحله دقة منذ 1920، وسط تخبّط اقتصادي غير مسبوق، وانقسام سياسي حاد، وارتفاع الأصوات المشككة بجدوى لبنان الكبير ونظامه، وتدعو إلى إعادة النظر في صيغته من جديد. لذلك، لا يقتصر التطويب على تكريم رجل كنيسة عاش الفضائل المسيحية، بل يفرض العودة إلى الإرث الوطني الذي تركه، وإلى المشروع الذي حمله للبنان في أصعب محطاته التاريخية.
لم يكن الحويّك رجل دين اكتفى بالوعظ والرعاية الروحية. فقد وجد نفسه في قلب مرحلة أعادت رسم خريطة الشرق بعد الحرب العالمية الأولى، واختار أن يكون شريكاً في صناعة المستقبل لا شاهداً عليه. وبين المجاعة التي فتكت باللبنانيين، وانهيار السلطنة العثمانية، ومؤتمر الصلح في فرساي، قاد معركة سياسية ودبلوماسية دفاعاً عن قيام دولة لبنانية مستقلة، تمتلك مقومات الحياة، وتحفظ حرية أبنائها وتنوعهم.
لكن اختزال مشروعه بقيام لبنان الكبير يبقى قراءة ناقصة. فالحويّك لم يكن يسعى إلى توسيع حدود جبل لبنان لأسباب جغرافية أو اقتصادية فحسب، بل كان يؤمن بأنّ الدولة لا تستقيم إلا إذا قامت على شراكة حقيقية بين جميع مكوناتها. لذلك، لم يطرح لبنان بوصفه مشروعاً طائفياً، بل وطناً يتسع للجميع، ويمنح كل جماعة مكانها في إطار دولة واحدة، لا في كيانات متقابلة أو مشاريع متناحرة.
هذه الفكرة بالذات هي التي تعود إلى الواجهة اليوم. فالنقاش الدائر في لبنان لم يعد يقتصر على إصلاح النظام السياسي، وهو نقاش مشروع وضروري، بل تجاوز ذلك في بعض الأحيان إلى التشكيك بجدوى الكيان نفسه، وكأنّ أزمات الدولة سببها وجود لبنان، لا سوء إدارة لبنان. وبين الأمرين فارق جوهري. فالأنظمة السياسية تُطوَّر، والدساتير تُعدَّل، والصيغ تتغير، أما الأوطان فلا تُبنى من جديد مع كل أزمة، ولا تُلغى كلما فشل أهل السلطة في إدارتها.
من هنا، تكتسب مناسبة التطويب بعداً يتجاوز الاحتفال الديني. فهي تعيد التذكير بأحد الآباء المؤسسين للدولة اللبنانية في لحظة يحتاج فيها اللبنانيون إلى استعادة الثوابت قبل البحث في المتغيرات. فالتاريخ لا يعيد إنتاج نفسه، لكنه يقدم دروساً لمن يريد أن يقرأها. وأبرز هذه الدروس أنّ لبنان لم يقم ليكون امتداداً لهذا المحور أو ذاك، ولا ساحة تتصارع فوقها مشاريع الآخرين، بل مساحة لقاء بين جماعات اختبرت، كل بطريقتها، أن لا مستقبل لها خارج الدولة اللبنانية.
وليس من قبيل المصادفة أن تتزامن هذه المناسبة مع مرحلة يعاد فيها رسم موازين القوى في المنطقة، فيما تتبدل التحالفات وتتغير خرائط النفوذ. ففي مثل هذه اللحظات، يصبح السؤال عن موقع لبنان أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فهل ينجح بتجنّب التحوّل مرة جديدة إلى صندوق بريد للصراعات الإقليمية؟ هذا السؤال ليس نظرياً، بل يحدد شكل الدولة التي سيرثها اللبنانيون في السنوات المقبلة.
لقد أثبتت التجارب أن كل مشروع حاول تجاوز لبنان أو إلغاء خصوصيته انتهى إلى الفشل، فيما بقي الكيان، رغم الحروب والاحتلالات والانقسامات والانهيارات، قائماً لأنه لم يكن تسوية عابرة، بل حاجة تاريخية لجميع مكوناته. أما ما اهتز، مراراً، فكان الدولة، لا الوطن؛ والمؤسسات، لا الكيان؛ والإدارة، لا فكرة لبنان نفسها.
لهذا، فإن القيمة الحقيقية لتطويب البطريرك الياس الحويّك لا تكمن في إعادة الاعتبار إلى شخصية صنعت جزءاً من تاريخ لبنان فحسب، بل في إعادة الاعتبار إلى الفكرة التي ناضل من أجلها. فلبنان لا يحتاج اليوم إلى إعادة تأسيس كيانه، بل إلى إعادة تأسيس دولته. ولا يحتاج إلى البحث عن وطن جديد، بل إلى تحرير وطنه القائم من الفساد، ومن كل ارتهان للخارج. وعندما يلتقي اللبنانيون مجدداً حول هذه الحقيقة، يكونون قد فهموا الرسالة الأهم التي يحملها هذا التطويب: أنّ الأوطان لا يحميها التاريخ وحده، بل يحميها شعب يؤمن بها، ودولة لا تسمح بأن يكون ولاؤها إلا للبنان.
مواضيع مماثلة للكاتب:
واشنطن… وتحرير لبنان من حسابات طهران | “الإطار”… واستعادة القرار | اتفاق الإطار… اختبار الدولة قبل إسرائيل! |




