أميركا والمنطقة… بين صفعة التنين الصيني ونيرانه!

عرب وعالم 29 آذار, 2021

كتب هادي جان بو شعيا:

على وقع الحرب الباردة والمتعاظمة التي تشهدها القوتيْن العظمييْن، الولايات المتحدة الأميركية من جهة والصين من جهة أخرى، تشهد طموحات الأخيرة الجيوسياسية في الشرق الأوسط قفزة نوعية توسعية ماضية في تعبيد الطريق أمام مبادرتها التي أطلقتها حزام واحد، طريق واحد، أو ما يُعرف بـ”مبادرة الحزام والطريق”، تلك المبادرة الصينية التي نشأت على أنقاض طريق الحرير في القرن التاسع عشر بغية ربط الصين بالعالم، ليتشكّل من خلالها أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية.

ذلك أن عطلة نهاية الأسبوع شهدت اجتماعًا جمع المسؤولين الصينيين بنظرائهم الايرانيين في طهران للإعلان رسميًا عن توقيع اتفاقية تعاون جديدة ضخمة، مفجّرةً بذلك قنبلة أربك دويّها أروقة البيت الأبيض وخبراءها الاستراتيجيين.
تحالف استراتيجي رئيسي، هذا أبسط ما يمكن وصفه بين بكين وطهران خرج إلى العلن، بُعيد قِمة عُقدت إثر زيارة وزير الخارجية الصيني وانغ يي الرسمية للجمهورية الإسلامية، مكرّسةً انحيازًا صينيًا في الشرق الأوسط.
لكن قد يقول قائل أن هكذا توجّه كان قيد الإعداد، حيث أن سياسات مرسومة وفق خطوط عريضة كانت معلنة، نوعًا ما، منذ شهور. حيث سبق لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف أن أعلن عن بلوغ بلاده، وعلى رأسها البرلمان الإيراني، مراحل متقدمة من صوغ خطة تعاون طويل الأجل مع الصين.
وكما بات معلومًا ان هذا التحالف، يشكّل نظريًا، توافقًا استراتيجيًا على مدى ربع قرن باستثمارات تناهز قيمتها 450 مليار دولار، ستخوض غمار قطاعات إيرانية حيوية عدة بدءًا بالاتصالات ووصولاً إلى توثيق التعاون العسكري بين البلدين وتقويته. على الرغم من التكتّم، إذا جاز التعبير، حول القطاعات الأخرى المعتزم تطويرها.
اذا إزاء كل ما تقدّم، وبين ما هو معلن وما هو مستتر، هل يمكن الحديث هنا عن قيام بكين بانتهاج سياسة الذئب المحارب، اقتباسًا من سلسلة افلام تروي قصة قنّاص صيني يحارب خصومه واعداءه الذين يتزايدون، تارةً خوفًا من إقدام النمر الصيني على ابتلاع الأسواق العالمية والحيوية، وتارة أخرى تماهيًا مع سياسة الاحتواء الأميركية؟!
في وقت تمهّد أميركا للتخارج من منطقة الشرق الأوسط وتعدّ الطريق لإيقاف التمدد الصيني الذي يؤرقها، وفي ظل البطء الذي يسود العودة الأميركية للاتفاق النووي الإيراني، سارعت البراغماتية الصينية لاقتناص فرصة بلوغ منطقة تضمّ مجموعة مشاريع البنى التحتية الإيرانية. الأمر الذي يضمن لها مرافئ ومرافق بحرية جديدة تكون قادرة على استيعاب تجارتها الإقليمية المزدهرة وتعزيز وجودها البحري المتزايد.
بهذه الوسيلة، ستتمكن الصين من لعب دور الشريك العالمي الأساسي والرئيسي لإيران والتأمين على شريان حياتها الاقتصادي للتصدي لأي مواجهات أو ضغوط مستقبلية قد تمارسها الولايات المتحدة وحلفاؤها التقليديون الذين ضاقوا ذرعًا من إملاءات المارد الأميركي دون الأخذ في الاعتبار مصالحهم الاقتصادية.
والجدير ذكره أن هناك مجموعة عوامل سياسية ودينية وطائفية تصبّ في مصلحتها. كيف لا وبكين التي وقفت على الحياد من الصراعات السياسية والحروب الدموية التي شهدها الشرق الأوسط عمومًا والعالم العربي خصوصًا.
لكن السؤال هنا كيف ستتمكن بكين من اللعب على ورقة تجاوز الانقسامات الطائفية بين شركائها الجدد في المنطقة؟

والحديث هنا عن إيران الشيعية من ناحية، والسعودية والإمارات ومصر السنية من ناحية أخرى. خصوصًا ان هذه الدول نالت نصيبها الكبير من الاستثمارات الصينية الضخمة، ما قد يدفعها للتغاضي عن الحملات التي يشنّها الغرب للاصطياد في مياه الممارسات القمعية ضد الأقليات المسلمة من الأويغور، في ظل دعوات الولايات المتحدة دول المنطقة للاختيار بين أحد هذين القطبين.
مما لا شك فيه أن هذه الاتفاقية الإستراتيجية تنذر بتغيير جذري في التوازن الذي كان سائدًا. ما يطرح سلسلة تساؤلات ويبرق بجملة رسائل متناقضة لعل أبرزها:
هل تضع الصين إيران على أولوية أجندتها في المنطقة، وتاليًا الحفاظ على أمن إيران بالدرجة الأولى، ما يعزّز موقفها في التفاوض على الملف النووي؟ أم أنها مجرّد سياسة اقتصادية صينية للإفادة من الوضع الإيراني المتداعي؟
والسؤال الأوسع هنا، هل الترويكا العربية المتمثلة بالسعودية والإمارات ومصر ستقف مكتوفة الأيدي أمام هكذا تحالف يعطي الأفضلية لإيران على المستويات كافة؟!
أم أنها ستحاول مراجعة حساباتها إزاء تعاونها مع الصين وحتى الضغط باتجاه معرفة ما وراء الأكمة الصينية؟!
وتاليًا تفنيد مخططاتها وسياستها للابقاء عليها شريكًا موثوقًا به في ظل تنامي التعاون الإستراتيجي مع إيران العدوة الإقليمية إيديولوجيًا وفكريًا وثقافيًا؟!

mtv

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us