النفط الفنزويلي في صلب تصريحات ترامب… ما الذي يجعل “الخام الثقيل” عنصرًا حاسمًا؟

أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تسليط الضوء على فنزويلا وقطاعها النفطي، بعد ساعات من الضربات الجوية التي استهدفت كاراكاس واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو. وفي سلسلة تصريحات علنية، شدد ترامب على نية الولايات المتحدة الدخول بقوة إلى قطاع النفط الفنزويلي، معتبرًا أنّ بلاده تمتلك شركات قادرة على لعب هذا الدور. وخلال مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز”، أكد أنّ واشنطن ستدفع بشركات نفط أميركية كبرى للعمل في فنزويلا، وهو ما كرره لاحقًا في مؤتمر صحفي عقده في منتجع مارالاغو.
في المقابل، أعلنت شركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA) أنّ التصعيد العسكري لم ينعكس على أدائها التشغيلي، مشيرة إلى أنّ عمليات الإنتاج والتكرير مستمرة كالمعتاد، وأنّ منشآتها لم تتعرض لأضرار مباشرة جراء الضربات الأميركية.
السياق الأمني والسياسي للتصعيد
ربطت الولايات المتحدة وجودها العسكري المتزايد في منطقة الكاريبي بجهود مكافحة تهريب المخدرات، لافتة إلى تنفيذ عمليات خلال الأشهر الماضية ضد زوارق قالت إنها كانت تنشط قبالة السواحل الفنزويلية. وفي تصعيد إضافي، أعلن ترامب في 17 كانون الأول تصنيف الحكومة الفنزويلية كـ”منظمة إرهابية أجنبية”، وفرض قيود شاملة على حركة ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات من وإلى فنزويلا. كما طالب كاراكاس بإعادة أصول، من بينها نفط وأراضٍ، وصفها بأنها سُلبت من الولايات المتحدة.
جذور الاهتمام الأميركي بنفط فنزويلا
لا يُعد تركيز ترامب على النفط الفنزويلي أمرًا مستجدًا، إذ يعود إلى عام 2019 عندما فرضت إدارته، خلال ولايته الأولى، عقوبات واسعة على قطاع الطاقة الفنزويلي بهدف الضغط على حكومة مادورو. ورغم السماح لاحقًا بتخفيف محدود عبر تراخيص خاصة أتاحت تدفقات جزئية للنفط، فإنّ هذه السياسة انقلبت مجددًا في عام 2025، مع إلغاء وزارة الخزانة الأميركية تلك التراخيص بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض. وجاء ذلك في إطار اتهامات لفنزويلا بتصدير المخدرات إلى الولايات المتحدة، إلى جانب تشديد الإجراءات الهادفة إلى الحد من الهجرة غير الشرعية.
عودة القيود الأميركية انعكست مباشرة على المصافي داخل الولايات المتحدة، التي وجدت نفسها أمام نقص في نوعية الخام التي اعتادت معالجتها، ما سرّع البحث عن بدائل.
إنتاج ضخم… لكن من نوع مختلف
رغم أن الولايات المتحدة تتصدر قائمة كبار منتجي النفط عالميًا، وتمتلك احتياطيًا استراتيجيًا يُستخدم في حالات الطوارئ، فإنّ التحدي لا يكمن في الكميات المتاحة، بل في طبيعة الخام نفسه. فالغالبية العظمى من الإنتاج الأميركي هي من النفط الخفيف، في حين تعتمد مصافٍ عديدة—خصوصًا في ساحل الخليج—على النفط الخام الثقيل لتشغيل وحداتها بكفاءة.
كما أنّ الطلب في السوق الأميركية لا يقتصر على البنزين، بل يشمل منتجات مثل الديزل ووقود الطائرات والمواد الصناعية، وهي مشتقات يُعد النفط الثقيل أكثر ملاءمة لإنتاجها. وخلال السنوات الماضية، كانت شركة “شيفرون” تنتج في فنزويلا ما بين 150 و200 ألف برميل يوميًا من الخام الثقيل، تُوجَّه بالكامل إلى السوق الأميركية. ويُذكر أن عددًا كبيرًا من المصافي المحيطة بخليج المكسيك صُمم أساسًا، قبل عقود، لمعالجة هذا النوع من النفط.
خصائص النفط الفنزويلي ولماذا يصعب استبداله
يمتاز النفط الفنزويلي بارتفاع نسبة الكبريت فيه وبكثافته العالية مقارنة بالنفوط الخفيفة المنتشرة في الولايات المتحدة، وخصوصًا النفط الصخري المنتج في تكساس ونورث داكوتا. هذا الاختلاف يؤثر مباشرة على تقنيات التكرير ونوعية المخرجات، إذ يوفر الخام الثقيل نسبًا أعلى من الديزل ووقود السفن والأسفلت، مقابل إنتاج أقل من البنزين.
غير أنّ معالجة هذا النوع من الخام تتطلب تجهيزات متقدمة داخل المصافي، مثل وحدات التكسير الحراري ومنشآت إزالة الكبريت، وهي استثمارات مكلفة لا تتوافر إلا في المصافي المعقدة. وبسبب هذه الخصائص، يُستخدم النفط الثقيل غالبًا لإنتاج مشتقات ثقيلة، بدلًا من الوقود الخفيف المخصص للسيارات.
ورغم الزيادة المستمرة في إنتاج الولايات المتحدة من النفط الخفيف، يبقى تعويض النفط الفنزويلي الثقيل أمرًا معقدًا. فالبدائل المتاحة، مثل الخام الكندي أو نفوط الشرق الأوسط، تواجه تحديات تتعلق باستقرار الإمدادات أو بارتفاع تكاليف النقل. كما أنّ المصافي المصممة لمعالجة الخام الثقيل لا يمكنها التحول بسرعة إلى نفوط أخف دون تحمل كلفة تشغيلية إضافية وتأثيرات سلبية على الكفاءة والربحية. فالعامل الحاسم ليس توفر النفط فقط، بل مدى توافقه مع البنية التقنية للمصافي.
وتتركز أكثر المصافي الأميركية تعقيدًا في ولايات ساحل الخليج، مثل تكساس ولويزيانا، وقد بُنيت تاريخيًا للاستفادة من الخام الثقيل القادم من دول مجاورة، وفي مقدمتها فنزويلا والمكسيك، حيث كانت هذه الإمدادات تجمع بين الملاءمة الفنية والكلفة الأقل.
مصادر بديلة قيد الاختبار
يُنظر إلى عام 2025 باعتباره محطة فاصلة في مساعي الولايات المتحدة لتنويع مصادر النفط الثقيل. وتشمل البدائل المطروحة:
• المكسيك: مورد تقليدي للخامات الثقيلة، إلا أنها قلصت صادراتها نتيجة تراجع الإنتاج واعتماد سياسة تفضيل السوق المحلية.
• كندا: أكبر مزود نفطي للولايات المتحدة، ويُعد خام الرمال النفطية الثقيلة أحد أهم البدائل، مع ازدياد الطلب عليه كلما تراجعت الإمدادات من فنزويلا أو المكسيك.
• كولومبيا والبرازيل: زادت الولايات المتحدة وارداتها من النفط الثقيل من هذين البلدين خلال عام 2025 لتعويض جزء من النقص.
• الشرق الأوسط: ورغم ارتفاع كلفة الشحن، رفعت واشنطن وارداتها من الخام الثقيل من دول مثل العراق والكويت والسعودية، مستفيدة من تنوع مصادر الإمداد.
تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، ويتركز جزء كبير منه في “حزام أورينوكو” جنوب شرقي البلاد، حيث تنتشر مكامن النفط الثقيل. ولا تكمن أهمية فنزويلا فقط في كونها مصدرًا رئيسيًا لهذا النوع من الخام، بل أيضًا في قدرتها على التأثير في سوق النفط العالمية، خصوصًا في فئة النفط الثقيل التي تظل بدائلها محدودة ومعقدة.
مواضيع ذات صلة :
“شيفرون”… اللاعب الأجنبي الوحيد في استثمار النفط الفنزويلي |




