غزّة بين الهدنة والمرحلة التالية… إسرائيل تفرض المعادلة وتفتح نافذة الاستقرار

عرب وعالم 30 كانون الثاني, 2026

على الرغم من التعقيدات الميدانية والضغوط الدولية المتزايدة، تمضي إسرائيل بخطوات محسوبة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزّة، واضعةً أمنها القومي واستعادة جميع رهائنها في صدارة الأولويات. ومع استكمال بند أساسي من المرحلة الأولى عبر استعادة رفات آخر رهينة إسرائيلي، بات المشهد الإقليمي أمام مفترق طرق حاسم بين تثبيت التهدئة أو الانزلاق مجدّدًا نحو التصعيد.

الرهائن أولًا… إنجاز أمني وسياسي

إعلان الجيش الإسرائيلي استعادة رفات الشرطي ران غفيلي، آخر رهينة محتجز في قطاع غزّة، شكّل محطةً مفصليةً في مسار الحرب. هذا التطوّر لم يكن إنسانيًا فحسب، بل حمل أبعادًا أمنيةً وسياسيةً، إذ استكمل أحد أعمدة المرحلة الأولى من خطة إنهاء الحرب التي تقودها الإدارة الأميركية.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وصف العملية بـ”الإنجاز الاستثنائي”، مؤكدًا أن إسرائيل أوْفت بتعهدها بإعادة جميع أبنائها، أحياءً أو أمواتًا، في رسالة واضحة بأن ملف الرهائن كان وسيبقى خطًّا أحمر في السياسة الإسرائيلية.

موقف دولي… وضغوط لا تغيّر الوقائع

في مقابل ذلك، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى الانتقال إلى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، واعتبر أن ما يجري هو “تقليص لإطلاق النار لا وقفه بالكامل”. إلّا أن القراءة الإسرائيلية لهذه المواقف تبقى واضحةً: لا يمكن لأي مسار سياسي أن ينجح ما لم تُعالج التهديدات الأمنية من جذورها، وعلى رأسها وجود بنى عسكرية معادية في غزّة، واستمرار التحريض والعنف في الضفة الغربية.

إسرائيل، من وجهة نظرها، لا ترفض الحلول السياسية، لكنّها ترفض فرض مقاربات تتجاهل واقع الأمن على الأرض، أو تمنح مكافآت سياسية لقوى استخدمت العنف ضد المدنيين.

هدنة تُختبر بالنّار

على الرغم من سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ 10 تشرين الأول الماضي، تُشير المعطيات الميدانية إلى خروقات متواصلة، ما يعزز القناعة الإسرائيلية بأنّ أي تهدئة لا يمكن أن تكون مستدامةً من دون آليات رقابة صارمة وضمانات أمنية واضحة.
استمرار إطلاق النار، ونسف المباني، والاشتباكات المحدودة، كلها عوامل تجعل إسرائيل تتعامل بحذر بالغ مع أي انتقال إلى مراحل لاحقة.

الدور الأميركي… غطاء سياسي وحسابات استراتيجية

الرئيس الأميركي دونالد ترامب أقرّ علنًا بأن حركة “حماس” لعبت دورًا في ملف الرهائن، مُلَمّحًا إلى احتمال نزع سلاحها، في موقف يعكس مقاربة واشنطن الواقعية: تثبيت الأمن أولًا، ثم فتح الباب أمام ترتيبات سياسية جديدة.

الإدارة الأميركية، الداعمة لإسرائيل، ترى أنّ أي إعادة إعمار أو مسار سياسي لا بدّ أن يمر عبر ضمان عدم عودة غزّة إلى أن تكون منصة تهديد إقليمي.

غزّة والضفة… ملف واحد بأدوات مختلفة

في الضفّة الغربية، تواصل إسرائيل عمليّاتها الأمنية في ظلّ تصاعد الاقتحامات وأعمال العنف، معتبرةً أن ما يجري هناك مرتبط مباشرة بما حدث في غزّة. ومن هذا المنطلق، ترفض تل أبيب أي ضغوط لوقف إجراءات تعتبرها ضروريةً لمنع تكرار سيناريو السابع من تشرين الأول.

إسرائيل اليوم ليست أمام خيار السلام أو الحرب فحسب، بل أمام معادلةٍ أكثر تعقيدًا: كيف تُوازن بين تهدئة مدروسة، وضغوط دولية، وواقع أمني لا يحتمل المجازفة.
ومع استكمال ملف الرهائن، تكون تل أبيب قد عزّزت موقعها التفاوضي، وأثبتت أنّ أي مرحلة مقبلة، سواء كانت سياسية أو إنسانية، ستُبنى وفق شروط تضمن أمنها أولًا، باعتباره المدخل الوحيد لأي استقرار حقيقي في المنطقة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us