واشنطن تضبط الإيقاع: إيران تحت الضغط بين خيار الاتفاق وكلفة المواجهة

تشهد المنطقة تصعيداً سياسياً وأمنياً متوازياً مع حراك دبلوماسي حذر حول الملف النووي الإيراني، في وقت تؤكد فيه طهران استعدادها لأي مواجهة محتملة، مع تمسكها بخيار التفاوض، مقابل تحذيرات إسرائيلية متزايدة من تنامي القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية، وربطها ذلك بأمن إسرائيل والمنطقة وأوروبا.
طهران: لا نسعى لحرب إقليمية
وقال رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، اللواء عبد الرحيم موسوي، إن إيران مستعدة للحرب في حال فُرضت عليها، لكنها لا ترغب في إشعال حرب إقليمية. وأكد أن أي حرب واسعة ستؤدي إلى تعطيل تقدم المنطقة لسنوات طويلة، محملاً الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية تداعيات أي تصعيد محتمل.
وجاءت تصريحات موسوي بعد يومين من محادثات غير مباشرة عُقدت بين إيران والولايات المتحدة في العاصمة العُمانية مسقط، في أول جولة تفاوضية منذ الضربات الأميركية التي استهدفت مواقع رئيسية في البرنامج النووي الإيراني خلال الحرب التي استمرت اثني عشر يوماً وبدأتها إسرائيل ضد إيران في يونيو الماضي.
مفاوضات مسقط: نووي فقط
من جانبه، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أنّ المحادثات التي جرت في مسقط ركزت حصراً على الملف النووي، نافياً بشكل قاطع أي نقاش حول ملفات أخرى. وشدد على أنّ بلاده لن تقبل بتصفير تخصيب اليورانيوم، معتبراً أنّ هذا الحق غير قابل للتفاوض أو الإملاء من أي طرف خارجي.
وأوضح عراقجي أنّ طهران دخلت المفاوضات وهي تدرك تماماً تجارب التفاوض السابقة، مشيراً إلى أنّ أوجه الشبه مع الجولات الماضية تقتصر على كون المحادثات غير مباشرة، وأنّ القضية المطروحة هي البرنامج النووي فقط.
وأضاف أنّ استمرار المفاوضات مرهون بمدى جدية الطرف المقابل، لافتاً إلى وجود مؤشرات متناقضة؛ بعضها يوحي بالاستعداد للتقدم، فيما يعكس بعضها الآخر تراجعاً في المسار، خاصة في ظل استمرار العقوبات والإجراءات العسكرية، ما يثير الشكوك حول نيات واشنطن الحقيقية.
لا لقاءات مباشرة
على المقلب الآخر نفى وزير الخارجية الإيراني حدوث أي لقاء رسمي مباشر مع الوفد الأميركي، موضحاً أنّ ما جرى اقتصر على مصافحة ومجاملات دبلوماسية عابرة، واصفاً ما حدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بأنه مجرد تحية، وهو أمر قال إنه تكرر في جولات تفاوضية سابقة.
إيران: الدبلوماسية خيار… والحرب مفروضة إن وقعت
وشدد عراقجي على أنّ إيران لا تسعى إلى الحرب، لكنها مستعدة لها إذا فُرضت عليها، مؤكداً في الوقت نفسه تمسك بلاده بالمسار الدبلوماسي القائم على الاحترام المتبادل. وأضاف أنّ طهران ستختار التفاوض إذا اختاره الطرف الآخر، لكنها لن تخضع لأي ضغوط أو تهديدات.
وفي ما يتعلق بالهجمات على المنشآت النووية الإيرانية، قال عراقجي إنّ تلك الضربات لم تحقق أهدافها، مؤكداً أنّ “الطريق الوحيد المتاح هو التفاوض”، ومشدداً على تمسك إيران بحقها في امتلاك برنامج نووي سلمي، حتى لو أدى ذلك إلى تصعيد أو مواجهة.
تحذيرات إسرائيلية من النووي والصواريخ
في المقابل، صعّد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر لهجته تجاه إيران، محذراً من أنّ الصواريخ الباليستية بعيدة المدى التي يسعى النظام الإيراني إلى إنتاجها تشكل تهديداً مباشراً لأمن إسرائيل، وتمتد مخاطرها إلى دول أوروبية أخرى.
واتهم ساعر إيران بمحاولة امتلاك سلاح نووي، معتبراً ذلك تهديداً واضحاً للسلام العالمي، ومتهماً طهران بنشر الإرهاب خارج الشرق الأوسط، بما في ذلك أميركا اللاتينية، عبر شبكات وحلفاء إقليميين ودوليين.
وجاءت تصريحات ساعر خلال استقباله نظيره من باراغواي، حيث أشاد بقرار أسونسيون نقل سفارتها إلى القدس، مثمناً تصنيف باراغواي للحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية.
ترامب: المحادثات إيجابية جداً
من جهته، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أنّ بلاده أجرت محادثات وصفها بـ”الإيجابية جداً” مع إيران، مشيراً إلى أنّ طهران تبدي رغبة واضحة في التوصل إلى اتفاق خلال المرحلة الحالية.
وقال ترامب، في تصريحات أدلى بها على متن الطائرة الرئاسية “إير فورس ون”، إن الأجواء العامة للمفاوضات تعكس استعداداً إيرانياً جاداً لإبرام اتفاق، مضيفاً: “يبدو أن إيران عازمة بقوة على الوصول إلى تفاهم، لكن علينا أن نرى شكل هذا الاتفاق ومضمونه”.
وأشار الرئيس الأميركي إلى أن الولايات المتحدة عززت وجودها العسكري في المنطقة، لافتاً إلى تحرك أسطول بحري كبير باتجاهها، ومؤكداً أنّ واشنطن تتابع التطورات عن كثب بالتوازي مع المسار الدبلوماسي.
وكشف ترامب أنّ جولات إضافية من المحادثات ستُعقد خلال الأسبوع المقبل، موضحاً أنّ اللقاءات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد اتجاه الأمور.
وحذّر في الوقت نفسه من تداعيات عدم التوصل إلى اتفاق، قائلاً إنّ إيران تدرك جيداً العواقب المحتملة في حال فشل المفاوضات، ومشدداً على أن تلك العواقب ستكون “قاسية للغاية” إذا لم يُنجز الاتفاق المنتظر.
مشهد إقليمي معقّد
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الجهود الدبلوماسية بشأن الملف النووي الإيراني حراكاً حذراً، وسط توازن دقيق بين التصعيد والتهدئة، في ظل استمرار الخلافات الجوهرية حول التخصيب والعقوبات والضمانات الأمنية.
ويبقى مستقبل هذه المحادثات مرتبطاً بالقرارات التي ستُتخذ في عواصم الدول المعنية خلال المرحلة المقبلة، وسط مخاوف متزايدة من انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع، مقابل آمال بإبقاء باب الدبلوماسية مفتوحاً رغم تعقيدات المشهد.
مواضيع ذات صلة :
ساعر: لا استقرار في لبنان في ظل وجود “الحزب” | لقاء مرتقب بين ترامب ونتنياهو الأربعاء | أميركا تبحث دعم الجيش لتفكيك الجهات غير الحكومية |




