مسار جنيف يعود إلى الواجهة… هل تنضج تسوية الحرب الأوكرانية؟

بعد أربع سنوات على اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، يعود المسار الدبلوماسي إلى الواجهة مع تحرّكات مكثّفة تقودها الولايات المتحدة لإحياء مفاوضات مباشرة بين الطرفَيْن. تصريحات إيجابية عن “تواصل حقيقي”، اجتماعات تمهيدية في جنيف، ودعم دولي مشروط بحسن النية… كلّها مؤشرات توحي بأنّ نافذة تسوية قد تكون قيد التشكل.
لكن بين التفاؤل الحذر والعقد الميدانية والسياسية العالقة، يبقى السؤال: هل تقترب الحرب من لحظة اختراق فعلي، أم أن المسار التفاوضي لا يزال في بداياته؟
في تطوّر لافت على خط الحرب الروسية – الأوكرانية، أكد المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ستيف ويتكوف، أنّ موسكو أظهرت “تواصلًا حقيقيًّا” خلال جولات التفاوض السابقة، مشيرًا إلى وجود قدر من الاعتدال في الموقف الروسي، وإلى نقاشات تناولت ليس فقط الترتيبات العسكرية، بل أيضًا آفاق الازدهار الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب.
تصريحات ويتكوف، التي نقلها موقع قناة “TSN” الأوكرانية، جاءت بالتوازي مع تأكيده أنّ الأسابيع المقبلة قد تحمل “أخبارًا سارةً” بشأن مسار التسوية، في مؤشر إلى أنّ واشنطن ترى نافذة فرصة لا تزال مفتوحة.
جولات مغلقة وملفات شائكة
المفاوضات التي استضافتها أبو ظبي في كانون الثاني وشباط جمعت ممثلين عن موسكو وكييف وواشنطن في اجتماعات مغلقة، بحثت القضايا العالقة في خطة السلام الأميركية. وعلى الرغم من عدم الإعلان عن اختراق حاسم، فإنّ الجولة الثانية أفضت إلى تبادل أسرى بين الطرفَيْن، في واحدة من النتائج العملية القليلة منذ اندلاع الحرب في 24 شباط 2022.
أمّا الجولة الثالثة، التي انعقدت في جنيف يومي 17 و18 شباط، فوصفها رئيس الوفد الروسي فلاديمير ميدينسكي بأنها “صعبة لكنّها جدية”، مع الإشارة إلى اجتماع جديد مرتقب قريبًا.
دعم دولي مشروط بحسن النية
بالتزامن، شدّد قادة مجموعة السبع في بيان مشترك على أنّ السلام لا يمكن أن يتحقّق إلّا عبر مفاوضات تجريها موسكو وكييف “معًا وبحسن نية”.
وأكدوا دعمهم لوحدة أراضي أوكرانيا وسيادتها، كما أعربوا عن مساندتهم لجهود ترامب في جمع الطرفَيْن إلى طاولة مباشرة، مع دعوة أوروبا إلى لعب دور قيادي في العملية.
لقاء أوكراني – أميركي تمهيدًا لثلاثي جديد
في هذا السياق، يلتقي المفاوض الأوكراني رستم عمروف في جنيف بالمبعوثَيْن الأميركيَيْن ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في خطوةٍ تهدف إلى التحضير لاجتماع ثلاثي جديد مع الروس مطلع آذار، وفق ما أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
زيلينسكي أوضح أن المحادثات ستتناول أيضًا خطة “إنعاش” اقتصادي لإعادة إعمار البلاد، إضافةً إلى ترتيبات تبادل أسرى جديدة. وتُعد هذه العمليات من القنوات القليلة التي بقيت فاعلة بين الطرفين على الرغم من استمرار المعارك.
العقدة: دونباس وترتيبات الأمن
على الرغم من الحديث عن أجواء “عملية”، لا تزال المفاوضات تصطدم بعقبات جوهرية، أبرزها مصير إقليم دونباس الصناعي في شرق أوكرانيا.
موسكو تطالب بانسحاب القوات الأوكرانية من المناطق التي لا تزال تسيطر عليها في دونيتسك، فيما ترفض كييف ذلك وتعتبره مساسًا بسيادتها.
كما تبقى مسألة الضمانات الأمنية ومستقبل انضمام أوكرانيا إلى تحالفات عسكرية غربية نقطة خلاف أساسية، إذ تشترط روسيا تخلّي كييف عن هذا المسار، بينما تصفه الأخيرة بأنه تدخل في شؤونها الداخلية.
بين الضغط الأميركي وتعقيدات الميدان
وتسعى واشنطن إلى إنهاء الحرب التي تحوّلت إلى أعنف نزاع مسلح في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، مخلّفة مئات آلاف القتلى ودمارًا واسعًا في شرق وجنوب أوكرانيا. غير أن أيّ اختراق تفاوضي يتطلّب توازنات دقيقة بين الوقائع الميدانية والضغوط السياسية والاعتبارات الأمنية طويلة المدى.
في المُحصلة، تعكس التحركات الأخيرة عودة الزخم الدبلوماسي إلى مسار جنيف، لكن الطريق إلى اتفاق شامل لا يزال طويلًا. الأسابيع المقبلة ستكشف ما إذا كان “التواصل الحقيقي” الذي تحدّث عنه ويتكوف سيتحوّل إلى تفاهمات ملموسة، أم أنّ العقد الجوهرية ستُبقي الحرب في دائرة الاستنزاف المفتوح.
مواضيع ذات صلة :
كيف أعاد ترامب تشكيل الدبلوماسيّة الأميركيّة تجاه أوكرانيا | أربع سنوات على حرب أوكرانيا: صراع مستمر بلا تسوية في الأفق! | عشية الذكرى الرابعة للحرب… تصعيد روسي واسع وهجمات صاروخية على كييف! |




