قنوات مفتوحة ونيران مشتعلة… الحرب الروسية – الأوكرانية بين التفاوض والتصعيد!

يتزامن الحراك الدبلوماسي في جنيف مع تصعيد ميداني غير مسبوق في العمق الروسي والأوكراني، في مشهد يعكس مفارقة الحرب المستمرة منذ شباط عام ألفين واثنين وعشرين: قنوات تفاوض مفتوحة، ونيران لا تهدأ. فبينما تستعد الأطراف لجولة محادثات جديدة بوساطة أميركية، تتكثف الضربات الجوية، وتتوسع معركة السرديات السياسية والإعلامية، لا سيما حول ملف السلاح النووي وما يُعرف بالقنبلة القذرة.
ميدانياً، أعلنت وزارة الدفاع الروسية إسقاط مئات الطائرات المسيّرة الأوكرانية خلال ساعات قليلة، بينها مسيّرات كانت متجهة نحو موسكو. وأكد رئيس بلدية موسكو سيرغي سوبيانين اعتراض عدد كبير منها في أثناء اقترابها من العاصمة. وأفادت الوزارة بأنّ الدفاعات الجوية اعترضت عشرات المسيّرات في مناطق وسط روسيا، في واحدة من أوسع موجات الهجمات بالطائرات غير المأهولة منذ اندلاع الحرب. هذا التصعيد يعكس انتقال كييف إلى تكتيك الضغط في العمق الروسي، في مقابل استمرار موسكو في استهداف البنية التحتية الأوكرانية.
وأكد رئيس بلدية موسكو سيرجي سوبيانين عبر تلغرام أن 27 طائرة مسيّرة أُسقطت أثناء توجهها إلى العاصمة، بدءاً من نحو الساعة الخامسة مساء. وأشارت الوزارة إلى أن 12 مسيّرة كانت تستهدف موسكو مباشرة، بينما جرى اعتراض عدد كبير فوق مناطق وسط روسيا.
هذا التصعيد يعكس انتقال الحرب إلى مستوى أعمق داخل الأراضي الروسية، ويؤشر إلى تكثيف أوكرانيا لاستخدام سلاح المسيّرات للضغط العسكري والنفسي، في مقابل استمرار الضربات الروسية على الجبهات الأوكرانية.
في موازاة التصعيد العسكري، أعلنت موسكو تنفيذ عملية تبادل رفات عسكريين مع كييف في إطار تفاهمات إنسانية سابقة. وقال رئيس الوفد الروسي للمفاوضات بشأن أوكرانيا، فلاديمير ميدينسكي، إن روسيا سلّمت رفات 1000 عسكري أوكراني، فيما تسلمت رفات 35 عسكرياً روسياً.
وأوضح أنّ العملية جرت وفق آلية متفق عليها خلال جولات المفاوضات السابقة وبالتنسيق مع الجهات المختصة، مؤكداً أنّ موسكو أوفت بالتزاماتها الإنسانية في هذا الملف، مع استمرار الاتصالات بشأن قضايا إنسانية أخرى رغم تعثر المسار السياسي.
من جهتها، أكدت السلطات في كييف تسلم الجثامين، مشيرة إلى أنها ستباشر إجراءات الفحص والتعرف إلى الهوية تمهيداً لتسليمها إلى ذويهم. ويظل ملف تبادل الأسرى والجثث من القنوات القليلة التي تحقق تقدماً عملياً بين الطرفين منذ اندلاع الحرب.
اتهامات بـ”القنبلة القذرة” وتصعيد في الخطاب النووي
بالتوازي مع التطورات الميدانية، تصاعدت حدة الاتهامات الروسية بشأن سعي أوكرانيا للحصول على سلاح نووي أو تطوير ما يسمى “قنبلة قذرة” بدعم من فرنسا وبريطانيا.
جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي، بقيادة سيرغي ناريشكين، تحدث عن معلومات تشير إلى أن كييف تعمل على هذا المسار. كما سبق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن أعلن أن بلاده ستستخدم “جميع وسائل التدمير المتاحة” إذا امتلكت أوكرانيا أسلحة نووية.
بدوره، أشار مساعد الرئيس الروسي للشؤون الخارجية يوري أوشاكوف إلى أن الكرملين سينقل هذه المعلومات إلى الإدارة الأميركية، بينما قال نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف إن موسكو قد تضطر لاستخدام أسلحة نووية غير استراتيجية ضد أهداف في أوكرانيا، وإذا لزم الأمر ضد الدول الموردة.
كما نقلت وكالة تاس مطالبة مجلس الاتحاد الروسي بفتح تحقيقات دولية عاجلة بشأن ما وصفه بمعلومات عن نية بريطانيا وفرنسا تزويد أوكرانيا بأسلحة نووية، محذراً من تهديد صريح للأمن الدولي وانتهاك جسيم لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
خلفية نووية وجدال “مذكرة بودابست”
الجدل النووي يرتبط أيضاً بإرث مذكرة بودابست التي تخلت بموجبها أوكرانيا عن ترسانتها النووية مقابل ضمانات أمنية من الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا. وعلى رغم تصريحات سابقة في كييف حول حقها في إعادة النظر في وضعها النووي، فإن السلطات الأوكرانية تؤكد رسمياً رفضها للسعي إلى امتلاك أسلحة نووية.
وفي سياق متصل، قال السفير الأوكراني لدى بريطانيا والقائد السابق للجيش الأوكراني فاليري زالوجني إن الأسلحة النووية في العالم الحديث هي أسلحة تدمير ذاتي وليست أدوات ردع، في إشارة إلى تعقيد البعد النووي في النزاع.
جنيف: محاولة جديدة لكسر الجمود
وسط هذا التصعيد، تتجه الأنظار إلى جنيف، حيث يلتقي المفاوض الأوكراني رستم عمروف بالمبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، تمهيداً لجولة ثلاثية جديدة مرتقبة مع الروس في مارس.
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أوضح أن الاجتماع يهدف إلى التحضير للقاء ثلاثي مع روسيا مطلع مارس، لمحاولة إيجاد حل للحرب التي اندلعت في فبراير 2022 وتحولت إلى أعنف نزاع تشهده أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
وأشار زيلينسكي إلى أن المحادثات ستتناول أيضاً خطة إنعاش اقتصادي لأوكرانيا المنهكة، إضافة إلى التحضير لعملية تبادل جديدة لأسرى الحرب، في وقت تواصل فيه واشنطن الضغط من أجل إنهاء النزاع.




