أسعار النفط تترقّب تطورات فنزويلا… أي مسار ينتظر الأسواق؟

اقتصاد 4 كانون الثاني, 2026

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في منتصف كانون الأول 2025 فرض حظر شامل على جميع ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات، سواء تلك المتجهة إلى فنزويلا أو الخارجة منها. وتأتي هذه الخطوة في سياق سياسة تتبعها إدارة ترامب منذ سنوات، تقوم على اعتبار حكومة الرئيس نيكولاس مادورو غير شرعية، واتهامها بالديكتاتورية والتورط في تجارة المخدرات.

ولم يُخفِ ترامب اهتمامه الكبير بالثروات الطبيعية الفنزويلية، إذ تمتلك البلاد أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم. وخلال إعلان الحصار على كاراكاس، قال الرئيس الأميركي إنّ بلاده “خسرت حقوقها في قطاع الطاقة”، مضيفًا أنّ واشنطن تسعى إلى استعادتها. تاريخيًا، كانت شركات النفط الأميركية تهيمن على صناعة النفط في فنزويلا، قبل أن تتجه الدولة إلى تأميم القطاع في سبعينيات القرن الماضي، ثم تعيد هذه السياسة في القرن الحادي والعشرين خلال عهدي هوغو تشافيز ونيكولاس مادورو. لطالما اعتبرت الولايات المتحدة أنّ التعويضات التي عرضتها فنزويلا على الشركات الأميركية غير كافية، إلى أن قضت هيئة تحكيم دولية عام 2014 بإلزام حكومة مادورو بدفع 1.6 مليار دولار لصالح شركة “إكسون موبيل”.

استهداف الصادرات واللجوء إلى “أسطول الظل”

خلال الأسابيع الماضية، كثّفت الإدارة الأميركية إجراءاتها ضد ناقلات النفط الفنزويلية، حيث تشير التقديرات إلى أن ما يقارب 70% من صادرات فنزويلا النفطية تعرّضت للاستهداف، خصوصًا الشحنات المتجهة إلى الأسواق الآسيوية. وفي مواجهة هذه الضغوط، لجأت حكومة مادورو إلى ما يُعرف بـ”أسطول الظل”، الذي يضم مئات الناقلات القديمة المسجلة تحت أعلام دول أخرى.وتعمد هذه السفن إلى تنفيذ عمليات نقل نفط من سفينة إلى أخرى لإخفاء مصدر الشحنات، إضافة إلى تعطيل أنظمة التتبع لتفادي الرصد. كما دفعت المخاطر الأمنية المتزايدة عددًا من الناقلات إلى العودة للموانئ الفنزويلية، خشية التعرّض لهجمات في البحر الكاريبي.

الصين تتابع المشهد عن كثب

في هذا السياق، تراقب الصين عن كثب تداعيات التصعيد الأميركي على سوق النفط العالمية. ووفقًا لبيانات شركة “كبلر”، أصبحت الصين أكبر مستورد للنفط الفنزويلي، بأكثر من 400 ألف برميل يوميًا حتى نهاية عام 2025. كما تصدّر فنزويلا نحو 135 ألف برميل يوميًا من زيت الوقود، أي ما يقارب 2.5% من إجمالي الشحنات البحرية، يذهب معظمها إلى السوق الصينية. في المقابل، حصلت الهند على استثناءات محدودة تسمح لها باستيراد نحو 30 ألف برميل يوميًا، بينما مُنحت إسبانيا استثناءً لاستيراد نحو 16 ألف برميل يوميًا. أما الكميات الأكبر من النفط الفنزويلي، فقد جرى تخزينها في ناقلات عائمة بانتظار وضوح المشهد السياسي.

إلى أين تتجه أسعار النفط عالميًا؟

تتجه أنظار الأسواق العالمية إلى فنزويلا، صاحبة أكبر احتياطي نفطي مؤكد، وسط تساؤلات حول تأثير التطورات الأخيرة على أسعار الخام. ورغم أن الإجراءات الأميركية أثّرت على الأسعار في الأسابيع الماضية، إلا أن هذا التأثير بقي محدودًا، نتيجة مجموعة عوامل أبرزها المخاوف من فائض المعروض عالميًا، إضافة إلى الغموض الذي يحيط بسياسة تحالف “أوبك +”، ونقل عن مندوبين في التحالف أن “أوبك+” قد يتجه إلى الإبقاء على مستويات الإنتاج الحالية، رغم التوترات الجيوسياسية. ويأتي ذلك قبل اجتماع مرتقب لثمانية من أعضاء التحالف، الذين يضخون نحو نصف الإنتاج العالمي من النفط، في ظل تراجع الأسعار بأكثر من 18% خلال عام 2025، وهو أكبر انخفاض سنوي منذ 2020،

وكانت الدول الثماني، وهي السعودية وروسيا والإمارات والكويت والعراق وكازاخستان والجزائر وسلطنة عُمان، قد رفعت أهداف الإنتاج بنحو 2.9 مليون برميل يوميًا بين نيسان وكانون الأول 2025، أي ما يعادل قرابة 3% من الطلب العالمي. لكنها عادت واتفقت في تشرين الثاني على تعليق زيادات الإنتاج خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي.

تأثير محدود… واحتمالات مفتوحة

بحسب تقديرات شركة “غولدوين غلوبال ستراتيجيز”، فإنّ خروج مليون برميل يوميًا من السوق – وهو مستوى إنتاج فنزويلا الحالي – قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بنحو 10 دولارات للبرميل. إلا أن تطورات سياسية محتملة، مثل تخفيف أو رفع العقوبات الأميركية، قد تعيد الأمور إلى مسار أكثر استقرارًا. ولا شك أنّ أسواق النفط تتأثر بالتوترات الجيوسياسية، وآخرها ما تشهده فنزويلا، مع انعكاسات محتملة على أسواق الطاقة العالمية ودول الكاريبي. وتشير معظم التوقعات إلى احتمال تسجيل ارتفاع مؤقت في الأسعار، في ظل الهجمات الأميركية، خصوصًا أنّ إنتاج فنزويلا يتراوح بين 900 ألف ومليون برميل يوميًا. في المقابل، يبعث على الطمأنينة تأكيد مصادر عدة أنّ عمليات شركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA)، بما فيها الإنتاج والتكرير، تسير بشكل طبيعي، وأنّ المنشآت الأساسية لم تتعرض لأضرار مباشرة.

أسعار النفط إلى أين؟

يتداول خام برنت ضمن نطاق يتراوح بين 60 و65 دولارًا للبرميل، في ظل حالة حذر تسيطر على الأسواق. تكبدت أسعار النفط العام الماضي أكبر خسارة سنوية لها منذ 2020، مع استهداف المسيرات الأوكرانية منشآت النفط الروسية وضغط الحصار الأميركي على صادرات فنزويلا. وسجل الخامان القياسيان خسائر سنوية تقارب 20% في 2025، وهي الأكثر حدة منذ عام 2020، إذ ⁠بددت المخاوف بشأن زيادة المعروض والرسوم الجمركية تأثير ‌المخاطر الجيوسياسية. وكان هذا هو العام الثالث ⁠على التوالي الذي يتكبد فيه برنت خسائر، وهي أطول سلسلة خسائر مسجلة. ورغم أن فائض المعروض العالمي يحد من أي ارتفاعات حادة، تبقى السوق حساسة للتطورات السياسية. وفي حال حدوث تغيير في المشهد السياسي الفنزويلي ورفع العقوبات، قد ترتفع الصادرات تدريجيًا لتصل إلى نحو 3 ملايين برميل يوميًا، ما قد يضغط على الأسعار نزولًا عند افتتاح الأسواق، ريثما تتضح الصورة بشكل كامل خلال الأيام القادمة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us