رمضان… موسم اقتصادي يغيّر أنماط الاستهلاك في العالم العربي

اقتصاد 18 شباط, 2026

رمضان ليس مجرد مناسبة دينية، بل يعد موسماً اقتصادياً يغيّر أنماط الاستهلاك في العالم العربي بشكل واضح. تشهد الأسواق خلال الشهر الفضيل ارتفاعاً ملحوظاً في الطلب على المواد الغذائية الأساسية، الحلويات، والمشروبات الرمضانية، فيما تعدل الشركات استراتيجياتها لتلبية هذا الطلب المتزايد، مما يجعل رمضان موسماً ذهبياً للأعمال في قطاعات متعددة. تتجاوز تأثيرات الشهر حدود الطعام والشراب لتشمل قطاع التكنولوجيا والترفيه، حيث تشهد المنصات الرقمية وتطبيقات التوصيل والمتاجر الإلكترونية زيادة كبيرة في الطلب، ما يعكس قدرة العادات الاجتماعية على توجيه القوة الشرائية وخلق فرص تسويقية مبتكرة. كما يؤثر رمضان على قطاع الخدمات والسياحة الداخلية، إذ تتجه العائلات نحو المطاعم والفنادق التي تقدم عروضاً خاصة، فضلاً عن ارتفاع الإنفاق على الهدايا المرتبطة بالمناسبة، ما يؤكد أن الشهر الفضيل يشكل محركاً اقتصادياً يستفيد منه المستهلكون والشركات معاً.

يصف خبير أسواق المال محمد سعيد رمضان بالموسم الاقتصادي الاستثنائي الذي يعيد رسم خريطة الإنفاق والاستهلاك في المنطقة العربية، حيث تتحول الدورة الاستهلاكية إلى الأكبر خلال العام رغم ترشيد السلوك الغذائي نهاراً. تستعد الأسر قبل حلول الشهر بأسابيع لتخزين السلع الأساسية، ما يؤدي إلى ارتفاع إنفاقها على الغذاء والمشروبات بنسبة تتراوح بين 25 و50 بالمئة مقارنة بالأشهر العادية، مع تركيز الإنفاق على سلع ذات طابع رمضاني مثل التمور والياميش واللحوم ومنتجات الألبان، ما يخلق ضغطاً على سلاسل الإمداد وشبكات التوزيع. وفي المقابل، قد تصاحب هذه الطفرة الاستهلاكية معدلات هدر عالية للطعام، ما يشكل عبئاً مالياً على الأسر ويستنزف الموارد.

قطاع الإعلان يشهد أيضاً ذروة موسمية خلال رمضان، حيث تتضاعف معدلات المشاهدة التلفزيونية ويرتفع استهلاك المحتوى الرقمي، وتتسابق العلامات التجارية على حجز المساحات الأكثر تأثيراً. ويستفيد القطاع من كثافة المتابعة للدراما والبرامج الترفيهية، إلى جانب الإعلانات عبر المنصات الرقمية والتجارة الإلكترونية، فيما يواجه تحديات ارتفاع تكاليف الإنتاج والبث وتشبع السوق بالرسائل الإعلانية، ما يفرض تقديم محتوى مبتكر ومرتبط عاطفياً بالجمهور. يوضح سعيد أن رمضان يمثل الذروة السنوية لسوق الإعلانات في العالم العربي، حيث تضخ الشركات نسبة كبيرة من ميزانياتها التسويقية، مع توسع المنافسة لتشمل المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، مستهدفة فئات الشباب وتعزيز التجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل خلال ساعات الليل.

على صعيد الإنتاجية، تؤدي تقليص ساعات العمل والإرهاق المصاحب للصيام إلى تراجع نسبي في الإنتاجية النهارية، إلا أن “اقتصاد الليل” ينشط قطاعات التجزئة والمطاعم والترفيه حتى ساعات الفجر، ما يعوض جزئياً حالة الهدوء الصباحي. وتفرض هذه التحولات الموسمية ضغوطاً تضخمية مؤقتة نتيجة صدمة الطلب وارتفاع تكاليف الإمداد، ما ينعكس على أسعار بعض السلع الأساسية، لكنها غالباً ما تتراجع تدريجياً مع انتهاء الموسم.

ويؤثر رمضان على معدلات التضخم، إذ تميل أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية إلى الارتفاع نتيجة زيادة الطلب الموسمي. وتتحرك المؤشرات السعرية خاصة في الأسواق ذات تقلبات سلاسل التوريد أو محدودية المعروض، بينما يمكن للسياسات الحكومية مثل الرقابة على الأسعار ودعم المواد الغذائية التخفيف من حدة التضخم الموسمي. وتوضح خبيرة أسواق المال حنان رمسيس أن الشهر الفضيل يشهد عادةً ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات التضخم بسبب زيادة الإنفاق على الطعام وتنوع السلع، وتعزيز الروابط الاجتماعية، ما يرفع حجم الطلب. وتضيف أن بعض التجار يستغلون الزخم الشرائي لرفع الأسعار، مع تفاوت حدة الارتفاع بين الدول بحسب قوة الرقابة وتوافر العروض الترويجية، مشيرة إلى أن بعض الأسر تضطر إلى تحمل أعباء مالية كبيرة أو الاقتراض لتغطية النفقات، فيما يظل التوازن بين فئات المجتمع ونسبة الرقابة على الأسواق عاملاً أساسياً في إدارة التضخم خلال الشهر.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us