مغارة الكهرباء تدينهم وبيضون لـ “هنا لبنان”: كيف ما تضرب إيدك بيطلعلك فساد


أخبار بارزة, خاص 25 كانون الأول, 2021

كتبت نوال الأشقر لـ “هنا لبنان” :

لعنة الكهرباء باتت تصيب منزل كلّ لبناني بنهاية العام 2021. اللبنانيون يدفعون أكثر من نصف رواتبهم لتسديد فواتير المولّدات الخاصة. الكهرباء وحدها كبّدت الخزينة نصف الدين العام، أي ما يفوق 43 مليار دولار، وكانت للفترة الممتدة بين عامي 2009 و2021 حصّة كبيرة من هذا المبلغ، وهي الفترة التي استأثر خلالها “التيار الوطني الحر” بوزارة الطاقة، تحت طائلة عدم تشكيل حكومات “لعيون صهر الجنرال”.

الهدر والفساد في كهرباء لبنان ذاع صيته، ووصل إلى أصقاع الأرض، لدرجة أنّ كلّ الموفدين الدوليين الذين زاروا لبنان، أشاروا صراحة إلى أنّ أكبر مكمن للهدر هو في قطاع الكهرباء، الذي يكلّف الخزينة حوالي ملياري دولار سنويًّا، واشترطوا البدء بإصلاح القطاع، وتعيين الهيئة الناظمة له، كمدخل لأيّ دعم دولي.

أصابع الاتهام تتجه بشكل أكبر إلى الوزراء الذين تعاقبوا على القطاع وكانوا جميعهم “باسيليي” الأداء، استقدموا البواخر، ومدّدوا لها، واستعانوا بمقدّمي خدمات التوزيع ومددوا لهم أيضاً وما زالوا يحاولون. ووقفوا بوجه تعيين الهيئة الناظمة، حتّى أوصلونا من وعدهم بكهرباء 24/24 إلى عتمة 23/24، أمّا ذريعة “ما خلونا” فلم يوفّقوا فيها، بظلّ حكومات كان لهم فيها الثلث المعطل، ومجلس نواب لديهم فيه أكبر كتلة نيابية، فضلاً عن استحواذهم على رئاسة الجمهورية. يضاف إلى كل ذلك كمية الموافقات التي حصلوا عليها من جميع الحكومات لتسهيل أمور تنفيذ خططهم، لا بل أنّها كانت تُدرج في البيانات الوزارية دون نقاش، وحتى دون التعرّف على مضمونها.

أداء وزراء التيار كبّد الخزينة 20 مليار أقلّه

لا يتحمّل وزراء “الوطني الحر” وحدهم مسؤولية القطاع، بل من سبقهم في إدارته. لكن الانهيار التام للقطاع حصل في عهدهم “القوي” وشهدنا في العام الذي نودّعه، غير آسفين، أسوأ تغذية بالتيار الكهربائي، لا بل عتمة شبه شاملة. السنوات التي تولّى فيها وزراء “التيار” حقيبة الطاقة كبّدت الخزينة عشرين مليار دولار وربما أكثر، يضاف إليها الفوائد التي ارتفعت في الأعوام الأخيرة لتصل إلى حدود 12%، وفق تقديرات مدير عام الاستثمار السابق في وزارة الطاقة والمياه غسان بيضون.

أسباب العتمة: هدر وصفقات وتجاوز للقوانين

وفق قراءة بيضون فإن الأسباب التي أوصلت القطاع إلى أسوأ مراحله كثيرة. أمّا الأسباب المباشرة فتكمن في استباحة وزراء “الإصلاح” لمقدّرات القطاع، ولاستقلالية مؤسّسة كهرباء لبنان. من هنا نفهم خلفيّة عدم تعيين مجلس إدارة جديد لها، وعدم تطبيق القانون 462 وعدم تعيين الهيئة الناظمة. كل ذلك أوصل المؤسسة إلى وضع مالي سيئ جدًا. وشكّلت خسائر الكهرباء ودعمها أحد أبرز أسباب إفلاس خزينة الدولة، إلى جانب فوائد الدين العام، ونفقات الدولة وما احتوته من فساد وهدر. ولولا عجز الكهرباء، خاصة في السنوات الخمس الأخيرة، لما حصل الانهيار اليوم، بمعنى أنّه لو تمّ تنفيذ خطة 2010، لأعفيت الماليّة العامة من تكبّد ما يقارب العشرة مليارات دولار بعد العام 2015 حيث كان يفترض تنفيذ الخطة، وتحقيق أهدافها، وعلى رأسها تأمين التوازن المالي للمؤسسة، ولما تراكم العجز ليفوق العشرين مليار دولار، لو احتسبناها منذ العام 2009 دون الفوائد، وغيرها من تكاليف القطاع ومشاريعه واستملاكاته، ولما انهارت الخزينة.

في حديثه لـ “هنا لبنان” فنّد بيضون مشاكل القطاع: “المسار طويل ومتشعّب وأسباب انهياره كثيرة، منها سوء الإدارة، إضاعة الفرص، عدم احترام القوانين، التمادي بمسار الهدر على مدى سنوات، نوعية الفيول، عمولات البواخر التي انتشرت أخبارها، الاعتماد على شركات تشغيل وصيانة المعامل التي تتقاضى أتعابها بالدولار، وكان يمكن الاستغناء عنها أو على الأقل عن قسم كبير منها، الهدر في عمليات شراء قطع الغيار وصيانة المعامل، تشغيل المعامل القديمة، الصيانة المكلفة، الإنفاق في الإدارة على تلزيمات في مناقصات أو استدراج عروض مشبوهة مفصّلة على قياس شركات، ومعظمها بالتراضي، كلفة مقدّمي الخدمات منذ عام 2012 إلى اليوم، والتي أدّت إلى تراجع خدمة التوزيع وتراجع الفوترة والجباية والتحصيل، والخسائر في قيمة الفواتير التي تأخّرت المؤسسة في جبايتها، في حينها كان مبلغ متأخرات الفواتير يوازي حوالي ألف مليار ليرة، أي ما يعادل حوالي 600 مليون دولار، لكن مع ارتفاع سعر الصرف فقدت الأموال قيمتها، وخسرت المؤسسة معظم قيمتها”.

يوصّف بيضون الأداء في قطاع الكهرباء بأنّه “يرقى إلى مستوى الجريمة الوطنية الكبرى، التي تحتاج إلى تدقيق جنائي، في الهدر المقصود والعمولات وتخلّي إدارة مؤسسة كهرباء لبنان عن الدفاع عن استقلاليتها وتشغيل المعامل، وعدم وجود ضوابط ومتابعة لكميات الفيول المخزّنة والمستهلكة، والتصرّف بجزء منها خلافاً للقانون، وكذلك سرقة المازوت في دير عمار التي انكشفت وتداول الإعلام صورها. فكيفما نظرنا إلى القطاع نعثر على إهمال يسهّل النهب والهدر، وإهمال رأس الإدارة لهذا الهدر لسنوات طويلة استمر فيها دون تعيين البديل”.

رفض عروض بناء المعامل

اللافت في أداء وزراء “البرتقالي” الذين تعاقبوا على وزارة الطاقة، أنّهم رفضوا كلّ فرص النجاة من العتمة، وأصروا على إهمال العروض من قبل الصناديق الاستثمارية وبعض الدول، وفي مقدمتها الكويت، بحجة أنّ آلية الصناديق تأخذ وقتًا. كما تجاهل الوزير سيزار أبي خليل عرضًا مقدّمًا من شركة “سيمنز” لتطوير شبكة الكهرباء، إلى أن فضحه الرئيس التنفيذي للشركة جو كايسر، في تغريدة له عبر “تويتر” في أيلول عام 2018 أكّد فيها أنّ “الشركة قدّمت عرضاً للدولة اللبنانية، أثناء زيارة المستشارة أنجيلا ميركل للمساعدة في تطوير شبكة الكهرباء، وذلك عبر فريق عملنا”. رغم ذلك بَقي أبي خليل متمسّكًا بأنّه ليس هناك من عرض رسمي محدّد.

سبب رفض هذه العروض بنظر بيضون يعود إلى طبيعة قطاع الكهرباء، كونه قطاع استثماري واعد في الإنتاج والطاقة البديلة والشبكات والتعاقد مع الشركات. وهناك قطاع المياه الذي لا يقل أهمية. بالتالي فإنّ حجم الإستثمار المتاح للقطاع الخاص كبير جدًا. وهنا تكمن دوافع الوزراء المتعاقبين بترك القطاع تحت سيطرتهم يتحكّمون بتوجّهاته، وهذا ما جعلهم يستبعدون القطاع الخاص المستقلّ، والذي كان من المفترض إشراكه عبر منافسة حرة وواسعة تسمح بوصول الأفضل، توصّلاً لتحسين الخدمة، وتقليل التكلفة وتأمين فرص توظيف، وإعفاء الدولة من تأمين التمويل، لا بل تأمين واردات لها.

عدم تعيين الهيئة الناظمة أجهض الحلول

تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء​ مطلب كلّ الجهات المانحة، لكن ​اعتراض التيار الوطني على منح الهيئة صلاحيات واسعة على حساب “صلاحية الوزير الدستورية” المزعومة، حالَ دون تعيينها. صحيح أنه قبل ذلك تمّ إهمال تطبيق قانون 462 لتنظيم القطاع الصادر عام 2002، غير أن بيضون يلفت في الإطار إلى أنّ ظروف البلد السياسية خلال الفترة بين 2005 و 2009، لم تتح تطبيقه “كان هناك عدم استقرار سياسي، عام 2005 اغتيل الرئيس رفيق الحريري، عام 2006 حصل عدوان تموز، عام 2007 انقسمت الحكومة، وصولًا إلى الفراغ الرئاسي بين تشرين الثاني 2007 وأيار 2008. وفي العام 2009 استلم “التيار الإصلاحي” وزارة الطاقة، عام 2010 وافق مجلس الوزراء على ورقة سياسة القطاع التي تبناها الوزير جبران باسيل وأطلق عليها تسمية خطّة، بينما هي عبارة عن توجّهات عامة مستقبليّة، كان يجب أن تتولى الهيئة الناظمة متابعة تنفيذها، ومنذ ذاك الحين استخدمها التيار كمسمار جحا في وزارة الطاقة. هذه الورقة ترافقت بخطة في القانون 181، بموجبه تمّ تخصيص مليار ومئتي مليون دولار لإنتاج 700 ميغاواط، وتحسين شبكات النقل والتوزيع، وتعيين هيئة ناظمة ومجلس إدارة. وقد وافق مجلس الوزراء على الإستعانة بمقدّمي الخدمات، والإستعانة بالبواخر لثلاث سنوات فقط، ريثما يتمّ إشراك القطاع الخاص ومباشرته بالمساعدة في الإنتاج، لكن عدم تعيين الهيئة الناظمة ضرب الخطة وأجهض المعالجة من جديد”.

ماذا عن البواخر التي بلغت كلفتها ملياراً و180 مليون دولار لإنتاج ما لا يزيد عن أربع ساعات تغذية يوميًّا؟

“بصرف النظر عن لغة الأرقام، خيار البواخر من حيث الجدوى الاقتصادية، هو خيار سيّئ، وهو يُعتمد عادة لفترة انتقالية لتأمين بنى تحتية للإنتاج المستدام، على سبيل المثال. ما حصل بالبواخر شبيه بمن استأجر شقّة على مدى خمس سنوات بمبلغ يوازي ثمن استملاك الشقة”.

في التسعينيات كهرباء 20 ساعة يوميًّا!

قطاع الكهرباء كان قد شهد فترات ذهبية في التسعينيات، كان يمكن البناء عليها لإصلاح القطاع، هنا لفت بيضون إلى عدم إمكانيّة عزل القانون 462 عن المرحلة التي سبقته في قطاع الكهرباء “حيث شهدنا فترة نهوض بين انهيارين، الأول حصل بين عامي 1982 و 1992، حيث انهارت الليرة، وكان دعم المحروقات المستخدمة في إنتاج الكهرباء أهم أسباب الانهيار، وبين عامي 1992 و1999.

باشرنا بعدها بمحاولات الإصلاح، وخلال مرحلة إعادة الأعمار وضعنا خطّة للكهرباء، ونفذناها، وأنشأنا معملين في دير عمار والزهراني، وقمنا بتحسين شبكة النقل، ورفعنا التعرفة عام 1994. في ذلك الحين وصلت التغذية إلى حوالي 20 ساعة في اليوم، كما أمّنت المؤسسة توازنها المالي، وبدأت تحقّق أرباحًا. لاحقًا كان ينقصها استكمال تنفيذ القانون 462، لا سيّما البند الأهم المتعلق بتعيين هيئة ناظمة للقطاع، تعطي تراخيص إنتاج للقطاع الخاص، ليباشر بالمساعدة في الإنتاج بكلفة معقولة وتنافسيّة، ويخفّف من حجم الفساد في الإنتاج وكلفته”.

هذا كلّه، ولم نتحدث بعد عن ابتزاز وزراء “التيار” ومقايضتهم المال والمنافع الخاصة بالعتمة، أي تخيير اللبنانيين بين سلف الخزينة أو العتمة، علمًا أنّ هذه السلف كانت مخالفة لقانون المحاسبة العمومية، ويبدو أننّا سنحتاج إلى مقال آخر لتبيان ذلك.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us