بين النقّ والجخّ، باختصار: انفصامٌ اجتماعيٌّ في لبنان!


أخبار بارزة, خاص 5 كانون الثاني, 2022

كتبت ريتا بريدي لـ “هنا لبنان”:

ها نحن جميعنا استقبلنا العام الجديد تاركين معه كميّةً من الأمنيات المكدّسة للأيّام المقبلة، التي نطمح فيها للعيش بالطمأنينة والأمان والسعادة… انتهت سهرات رأس السنة والآن من الضروري جدًّا أن نسلّط الضوء على حقيقة ما يعيشه الشعب اللبناني.

هو انفصامٌ؛ نعم بكل ما للكلمة من معنى، فما شاهدناه في ليلة رأس السنة وأيضاً مع انطلاق الموسم الشتوي على الجبال والدعوة للتزلج، كلّ ذلك يطرح علامات استفهامٍ كبيرة عند البعض حول التفاوت الاجتماعي الكبير، والأغرب أنّ هذه الأحاديث تتكرّر يومياً على مسامعنا، وفي كل مرّةٍ نلتقي بها مع الناس.

فلنبدأ مع ليلة رأس السنة التي كانت “مفولة” في عدد من المناطق والمطاعم، وذلك من الأمور التي تنعكس بالطبع بشكلٍ إيجابي على قطاعات معيّنة، ولكن ماذا عن الامتعاض والهيستيريا على المعاناة اليومية من راتب العمل، وبعدها تأمين تنكة البنزين والمحروقات، وصولاً إلى الأسعار الخيالية للأطعمة الجاهزة أو المواد الغذائية في المحلات هذا عدا عن باقي التحدّيات التي نعيشها في الوطن.

فما شهد عليه العالم ليلة رأس السنة في لبنان يختلف تماماً عن المآسي التي نتابعها ونسمع عنها كلّ دقيقةٍ في هذا البلد، وبالأخص على وسائل التواصل الاجتماعي وبالطبع مع تغريدات طائر تويتر الأزرق.

ولا بدّ من الإشارة إلى أننا علِمنا بتفشّي فيروس كورونا ومواجهتنا المرحلة الخامسة مع متحور أوميكرون الجديد، ومع ذلك اللامبالاة كانت واضحة، فقد قبلوا بالتجمعات وها هم اليوم يقفون تباعاً في طوابير السيارات لإجراء فحص الـ PCR، مع مجموعة من الأشخاص الذين يرفضون فكرة وضع الكمامة على وجوههم! لذا لا تعليق على هذه النقطة.

أمّا عن ما فعلته السوبرماركات خلال موسم الأعياد، فحدّث ولا حرج! إذ ارتفعت أسعار السلع الغذائية والمستلزمات المنزلية بشكلٍ جنوني وغير مقبول.

فلأصحاب هذا القطاع، تعالوا نتحدّث بصراحة:

هل كان من المقصود أو من الضروري فعل ذلك في الأعياد المجيدة أو “هيك هيك بدن يشتروا…”، وكيف ارتفعت الأسعار كلّها بينما سعر صرف الدولار بقي على حاله، وكيف تمكّنتم من الإقدام على هذه الخطيئة وأنتم استوردتم بضاعتكم في وقتٍ سابق قبل أشهر كثيرة من هذا الموعد؟

فعجباً منكم ومن أفعالكم، أليس هذا نوعًا من أنواع الانفصامات أيضاً؟

والآن ننتقل إلى موسم التزلج، نعم إنّها الفترة التي تستفيد منها مجموعة كبيرة من الأشخاص على الصعيد المادي، وهذه من الأمور الجيدة جدًّا… وفي الصور نرى زحمةً خانقةً على الجبال لممارسة رياضة التزلج وقضاء اليوم على الثلوج الناصعة البياض، ولا ننسى الفيديو الذي حصد كميّةً هائلةً من المشاهدات حيث يكشف عن سعر منقوشة الجبنة الذي وصل لثمانين ألف ليرة لبنانية في أحد مراكز التزلج في لبنان، فإذا كانت منقوشة الجبنة بهذا السعر ماذا عن باقي الأمور؟

فما هذا التفاوت والاختلاف الاجتماعي الذي نشهد على تطوره، وهل فعلاً ما يعيشه الشعب اللبناني هو انفصام؟

أمام كل هذه الأسئلة، توضح الأخصائيّة والمعالجة النفسيّة، الأستاذة الجامعية والمدربة الدوليّة الدكتورة جانين زيادة أبو طقة في البداية مفهوم الانفصام في الشخصية الذي يعتبر من ضمن الاضطرابات النفسية، والشخص الذي يُعاني منه لديه تخيلات وهلوسات في طريقة تفكيره وسلوكه وردود فعله كما تحدّ من إمكانيته على إنجاز المهام في حياته اليومية. وتختلف حدّة الانفصام بين حالةٍ وأخرى، وتشدّد على أنّ العلاج ضروريٌّ جدًّا من هذا الاضطراب الذي قد يشكّل خطراً على الإنسان.

وتقول د. جانين أبو طقة أنّ الشعب اللبناني معروفٌ بصفة التّأقلم التي منحته قدرةً على تحمّل كلّ الأمور التي تجعله يخسر وينكسر ليعود مرّةً أخرى ويقف ليستمرّ بحياته، ولكن لا شكّ أنّ هذا الشعب اليوم يمرّ بمرحلةٍ صعبةٍ جدًّا حتّى لو كان ينقسم إلى قسمين:

قسمٌ يحصل على مدخول بالدولار الأميركي، وبذلك يستفيد من هذه الفترة وللأسف قد لا يعلم أنّ هناك بالفعل عددًا كبيرًا من الأشخاص يعيشون الفقر والجوع والبطالة، وهؤلاء هم القسم الثاني الّذين أصبح راتبهم لا يكفيهم حتى نهاية الشهر.

وأضافت أنّ الشعب يمرّ بمرحلتين من الناحية النفسية نتيجة الأحوال:

مرحلة القلق من الغد والمستقبل والمجهول السلبي، والمرحلة الأخرى هي الاكتئاب، وهذه الحالات تعرّض المواطن أيضاً لاضطراباتٍ نفس – جسديّة.

ونجد أنّ الحلول السريعة للأزمة الاقتصادية ضرورية بما أنّها السبب الرئيسي للأزمة النفسية والتخبّط الذي يعيشه الشعب يومياً.

وشدّدت أنّ نسبةً كبيرةً من المواطنين اللبنانيين ما زالوا في مرحلة الإنكار، حيث يبتعدون عن مشاكل الوطن التي توصل إلى القلق ويعمدون على تبسيطها، إلّا أنّ هذه الطريقة غير صحيّة.

بالعودة إلى المنشور على مواقع التواصل الاجتماعي الذي خصّصته الدكتورة جانين زيادة أبو طقة عن “انفصام اللبناني بين الصبح والليل”، ماذا كانت تقصد به؟

أرادت د. جانين من هذا المنشور الإشارة إلى فكرة أنّ المواطن اللبناني يعيش حالةً من الانفصام بين ساعات الصباح التي يبحث خلالها عن طرق الاستمتاع والفرح، بينما في فترات الليل نراه يتوجّه صوب الطرقات لإقفالها، ويحتجّ على الأوضاع التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه، وذلك منذ ثورة تشرين الأوّل حتى اليوم. وبالمقابل، أصبح يبحث عن الجهة التي تمنحه البهجة كأسلوب النكتة على الواقع، بدل العمل على تغيير ما يحصل.

وهذا هو الهذيان، والانفصام بالتصرفات المتناقضة، خصوصاً عندما نرى من يفرح لأنّ مدخوله بالدولار بينما هناك من يبكي على أحواله، فأصبح اللبناني يعيش بين عالم الواقع الصعب وعالم الأحلام؛ لذا نرى في المجتمع ردود الأفعال تغيّرت بين الأشخاص وحتى أنّ مشاعر الوقوف إلى جانب الإنسان الآخر في الوطن نفسه تبدلت.

وأضافت أنّ الشعب اللبناني اعتاد على التأقلم وهو اليوم يقوم بذلك مع المصاعب والمصائب، فقدْ فقَدَ ثقته بالدولة وبذلك فقَد الأمل، وبدل أن يعمل على تنمية قدراته الفكرية أصبحت اهتماماته محصورةً فقط بتأمين احتياجاته اليومية. وأرادت هنا أن يكون هذا الكلام لمساعدة بعضنا البعض وانتشال الشعب من هذا التخدير.

من القلق إلى الاكتئاب وحتى الإنكار، وصولاً إلى الانفصام والاضطرابات النفس – جسدية، اللبناني اليوم أمام اضطرابات نفسية كثيرة، لذا احذروا من ناقوس الخطر هذا الذي يهدّد مستقبلنا!

فبين غريزة البقاء التي يُقابلها الانطواء على الذات، وبين التفتيش عن الأمل في الغد والاستمرارية في لبنان هناك ما يدفع المواطن إلى الوقوع في الاكتئاب والحزن والانطواء… أتتخيّلون كلّ هذا التناقض في حياة الإنسان؟

نشرح ذلك لأنّ من حقنا الإضاءة على ما يجري بالواقع، ومن حقّنا مقاربة هذا التفاوت الاجتماعي الخطير جدًّا بين الفئات، والأهم تفسير حقيقة هذا الانفصام الذي ما عدنا نجد له من تفسيرٍ منطقيٍّ، فهل سنستمرّ بالتأقلم مع هذه الأوضاع والرضوخ لها؟

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us