نهاية عهد الذّلّ… بين الفراغ والتّمديد وسيطرة الحكومة


أخبار بارزة, خاص 26 آب, 2022

كتب إيلي صرّوف لـ “هنا لبنان”:

لم يكن مسلسل “عهد الذّلّ” عابرًا ضمن باقة المسلسلات الرّئاسيّة الّتي عُرضت في تاريخ لبنان الحديث، بل يمكن القول إنّ أحداثه كانت الأكثر سوداويّةً. فبَعد الانهيارات الّتي طالت كلّ المجالات، انفجار مرفأ بيروت الكارثي، نِسب الفقر والبطالة والهجرة المخيفة، طوابير الذّلّ، الدّولار “المحلّق”، الغلاء الجنوني وفقدان الأدوية؛ ها هم اللّبنانيّون ينتظرون الحلقات الأخيرة من المسلسل… على ضوء الشّمعة.
بعد جمودٍ وقحٍ على خطّ تشكيل الحكومة استمرّ نحو شهر ونصف الشّهر، تخلّله تعنّتٌ ونبشُ قبورٍ وحروبٌ إعلاميّةٌ متبادلةٌ بين فريقَي “التّيار الوطني الحرّ” ورئيس الحكومة المكلّف نجيب ميقاتي، زار الأخير قصر بعبدا في 17 آب الحالي، بإطار استكمال البحث في جنس الملائكة. ورغم أنّ هذا التطوّر أعاد تحريك المياه الرّاكدة بعض الشّيء، إلّا أنّ سيناريو عدم تشكيل حكومة جديدة واستمرار مجلس الوزراء الحالي في تصريف الأعمال تزامنًا مع الدّخول في فراغٍ رئاسيٍّ، يتقدّم على غيره من السّيناريوهات المحتمَلة للحلقات الأخيرة.
فما هي الفرضيّات للمرحلة المقبلة؟ وهل يمكن أن تحلّ حكومة تصريف الأعمال مكان رئيس الجمهوريّة؟ وما هي صلاحيّاتها إذا وقع الفراغ؟ أسئلةٌ يجيب عنها الدّستور بوضوح، لكنّ الاجتهادات المتعدّدة تُنذر بأنّ القادم لن يكون بهذه السّهولة، وأنّ خلافًا دستوريًّا- سياسيًّا يلوح في الأفق؛ لا سيّما حول قدرة حكومة تصريف الأعمال على تسلُّم صلاحيّات رئيس الجمهوريّة.
مع اقتراب الاستحقاق الدّستوري والمهل القانونيّة، يشير الخبير الدّستوري المحامي سعيد مالك، لـ “هنا لبنان”، إلى أنّ “ولاية رئيس الجمهوريّة الحاليّة تنتهي في 31 تشرين الأوّل 2022، ويُفترَض برئيس مجلس النّواب أن يدعو البرلمان إلى الانعقاد قبل شهر على الأقل أو شهرين على الأكثر من المهلة المذكورة؛ إذًا يجب أن تتمّ الدّعوة لجلسة الانتخاب الرّئاسيّة بين الأوّل من أيلول المقبل والواحد والثّلاثين منه.
ويلفت إلى أنّ “النّصاب المطلوب سواء في جلسة الانتخاب الأولى أو في الجلسات الّتي ستليها، هو ثلثَي عدد النّواب أي 86 نائبًا، وهذا التّفسير أو الاتّجاه أَخذت به هيئة المجلس النّيابي فور انتهاء ولاية رئيس الجمهوريّة السّابق ميشال سليمان وانتخاب الرّئيس الحالي ميشال عون”، مبيّنًا أنّ “هناك مبدئيًّا توافقًا في هيئة المجلس على اعتماد نصاب الثّلثَين للحضور في كلّ الجلسات”.
توازيًا، يبدو أنّ شبح الفراغ الرّئاسي سيُسيطر على الأجواء اللّبنانيّة في الأشهر المقبلة، إذ انّ المعطيات الحاليّة أقلّه لا توحي بإمكانيّة الاتّفاق أو انتخاب رئيس في المهلة الدّستوريّة المحدّدة. والسّؤال هنا، هل يمكن أن تتسلّم حكومة تصريف الأعمال صلاحيّات رئيس الجمهوريّة، في حال دخلنا بمرحلة فراغ رئاسي؟
في هذا الإطار، يشدّد مالك على أنّ “المادّة 62 من الدّستور تنصّ صراحةً على أنّه عند خلو سدّة الرّئاسة، بسبب الوفاة أو الاستقالة أو أيّ سبب كان، تُناط صلاحيّات رئيس الجمهوريّة بمجلس الوزراء وكالةً. بالتّالي، يجب أن تتسلّم الحكومة، ولو كانت حكومة تصريف أعمال، صلاحيّات رئيس البلاد بعد 31 تشرين الأوّل، في حال عدم انتخاب رئيس جديد وعدم تشكيل حكومة جديدة”.
ويشرح أنّ “الصّلاحيّات الرّئاسيّة الّتي تنتقل إليها، هي الصّلاحيّات التّسييريّة، أي الّتي يجب على الحكومة أن تتسلّمها لتأمين مبدأ استمراريّة الإدارة العامّة، وعمل الدّولة والمؤسّسات”.
مؤخّرًا، برز موقف مستشار رئيس الجمهوريّة الوزير السّابق سليم جريصاتي، الّذي تساءل: “كيف لحكومة اعتُبرت مستقيلةً مع بدء ولاية مجلس النّواب، أن تمارِس صلاحيّات رئاسيّة، في حال خلو سدّة الرّئاسة؟”. ويرى الخبير الدّستوري، أنّ هذا التّصريح “يقع تحت باب الاجتهاد”.
ويركّز على أنّ “المادّة الدّستوريّة المذكورة سابقًا تنصّ على أنّ صلاحيّات الرّئيس تُناط بمجلس الوزراء وكالةً، ولم يأتِ النّصّ على ذِكر أنّه يقتضي أن تكون حكومةً كاملة الأوصاف، أو حكومةً حاصلةً على ثقة مجلس النّواب، أو حكومةً مستقيلةً وتصرّف الأعمال. إذًا لا اجتهاد في معرض النّص الصّريح”.
وبالرّغم من التّأكيدات المتكرّرة أنّ الرّئيس عون مصمّم على مغادرة القصر الجمهوري لدى انتهاء ولايته، لكنّ البعض يشيع بأنّه يجري التّحضير لسيناريو التّمديد. أمّا مالك فيُفسّر أنّ “التّمديد بحاجة إلى تعديلٍ دستوريٍّ، وتعديل الدّستور بحاجة إلى وجود حكومة، بالتّالي أصبحنا بعيدين جدًّا عمّا يُسمّى تمديداً أو تجديداً”.
السّجالات السّياسيّة توحي بأنّ تشكيل حكومةٍ جديدةٍ ليس مُيسّرًا، وكلّ المؤشّرات تفيد بأنّ هويّةَ الرّئيس المقبل غير واضحة المعالِم بعد. لكنّ الأكيد وسط هذا الغموض الّذي يلفّ المشهد السّياسي، أنّ الانهيار في لبنان يزداد حدّةً، وأحوال المواطنين مستمرّة في الانحدار الدّراماتيكي؛ والجميع يتساءل ماذا سيحصل في النّهاية؟

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us