أطفال لبنان مهددون بالتقزّم والجوع الخفيّ: 9 من أصل 16 أسرة لبنانيّة تتناول أقلّ من وجبتين في اليوم


أخبار بارزة, خاص 27 آذار, 2023

الأزمات الاقتصادية الحادّة التي يتعرّض لها لبنان منذ العام 2019، الناجمة عن غياب الاستقرار السياسي، مترافقة مع جائحة كوفيد 19، وانفجار مرفأ بيروت بالإضافة إلى أزمة اللاجئين السوريين التي طال أمدها، أدّت إلى تزايد حادّ في نسبة عدد الأسر التي تعيش تحت خطّ الفقر المدقع والعوز، وبات الأمن الغذائي في لبنان مهدداً..

كتبت باولا عطية لـ “هنا لبنان”:

بعد أن بات الخطر يهدد الأمن الغذائي للمواطنين اللبنانيين وسط تأكيدات دوليّة ولبنانيّة رسميّة بأنّ أكثر من 70% من اللبنانيين يعانون من انعدام الأمن الغذائي. هواجس عديدة تنتاب المواطنين حول كيفيّة تخطّي أزمة انعدام الأمن الغذائي، والحلول التي يمكن اللجوء إليها لضمان نمط غذائي صحّي ومتوازن.

حيث لوحظ فقدان بعض الأطعمة عن مائدة العائلات اللبنانيّة، خصوصاً تلك التي تتطلّب الكثير من المكوّنات أو التي تتضمّن مكوّنات مرتفعة السعر، كاللحوم، والدجاج، والحليب. فيما انقلب الهرم الغذائي لدى معظم الأسر اللبنانيّة، التي أصبحت مرغمة عاى التنازل عن العديد من الأطعمة على حساب أخرى.

141 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي في العالم العربي

وفي هذا الإطار تقول خبيرة علوم الغذاء في المجلس الوطني للبحوث العلمية الدكتورة مهى حطيط في حديث خاص لموقع “هنا لبنان” إنّ “الدول العربية هي من أكثر المناطق حاجة للأمن الغذائي والتغذوي. فانعدامهما يشكل تهديدًا كبيرًا لمستقبل المنطقة وقد يؤدّي إلى تقويض أي مكاسب أمنية وغذائية. ولقد تفاقمت الأزمة في العالم العربي مع أزمة جائحة كوفيد 19 وازدياد الطلب على المنتجات الزراعية والغذائية، والنمو السكاني، وارتفاع الأسعار العالمية بسبب الحرب الروسية-الأوكرانية، وتدنّي الاهتمام بالقطاع الزراعي في معظم الدول العربية، ويضاف إلى ذلك، ضعف استخدام التكنولوجيا في مجال الأمن الغذائي و الزراعة”.

وتضيف “ارتفعت مستويات انعدام الأمن الغذائي المُسَجّلة في العالم العربي حيث أظهر تقرير منظمة الأغذية والزراعة العالمية (الفاو) الصادر في سنة 2020 أنه على مدى العشرين سنة الماضية ثمة 141 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي وهناك 69 مليون شخص يعانون أيضاً من سوء التغذية في الوطن العربي. وذلك يعني أن ثلث سكان الوطن العربي 420 مليون نسمة لم يحصلوا على غذاء كافٍ، مع توافر الموارد الطبيعية، والموارد البشرية، والمساحة الزراعية. ووفقًا لتقرير منظمة الأغذية العالمية الصادر حديثاً خلال جائحة كورونا، تضاعف الجوع أربع مرات في الدول العربية مقارنة بالعام 2019 فنصف دول الشرق الأوسط لجأت في العام 2020 للمساعدات بشكل تحويلات نقدية ومساعدات قصيرة الأمد بما فيها الجزائر وليبيا وتونس والسودان وفلسطين وسوريا، ولبنان”.

جوع خفيّ يهدد اللبنانيين

“محليًّا، يتعرّض لبنان منذ العام 2019 لتأثير الأزمات الاقتصادية الحادّة الناجمة عن غياب الاستقرار السياسي، مترافقة مع جائحة كوفيد 19، وانفجار مرفأ بيروت بالإضافة إلى أزمة اللاجئين السوريين التي طال أمدها. مع التزايد الحادّ في نسبة عدد الأسر التي تعيش تحت خطّ الفقر المدقع والعوز، أصبح الأمن الغذائي في لبنان بخطر”، بحسب حطيط.

وتكشف حطيط أنّ “نتائج أبحاث المركز أظهرت أنّ الأسر اللبنانيّة تفتقر إلى التنوع الغذائي في وجباتها اليومية إذ أنّ معظمها لا يتناول الخضار، الفاكهة، الحبوب، اللحوم والأسماك، ومشتقات الحليب بشكل روتيني (أقل من 3 مرات في الأسبوع) وهذا مؤشر خطير يتعلق بانعدام الأمن الغذائي والجوع الخفي وخاصة لدى المرأة العربية عامة والمرأة الحامل خاصة”.

9 من أصل 16 أسرة لبنانيّة يتناولون أقلّ من وجبتين في اليوم

وترى أنّ “انعدام الأمن الغذائي والتغذوي في لبنان هو من أكثر المؤشّرات المثيرة للقلق في ظل الأزمات المتفاقمة التي يواجهها اللبنانيون في جميع المحافظات. فتسع من أصل كل ست عشرة أسرة لبنانية تتناول منذ تاريخ بدء الأزمة أقلّ من وجبتين غذائيتين في اليوم وأكثر من سبعين بالمئة منهم يقتطعون من وجباتهم الغذائية اليومية بهدف إطعام أطفالهم. إضافة إلى ذلك، فإنّ القدرة الشرائية للمواطن في لبنان أخذت مسارًا انحداريًا، ممّا دفع بالكثير من العائلات إلى اقتراض المال لشراء السلع الغذائية الأساسية. هذا وقد أدت الأزمة الروسية-الأوكرانية إلى المزيد من التدهور ليرتفع عدد الأسر اللبنانية التي تعاني من انعدام في الأمن الغذائي من 53% إلى 74%”.

أطفال لبنان مهددون بالتقزم وأمراض السمنة

ولم يتوقف الأمر عند الأسر اللبنانية فقط، بل وبحسب حطيط “وصلت تداعيات الأزمات المتلاحقة إلى الأطفال ما دون الـ5 سنوات، واليافعين (10-19 سنة) حيث تبين أن معدل نقص الوزن والتقزم والهزال وزيادة الوزن والسمنة لدى الأطفال بلغ مستوياته القياسية، حيث ارتفع من معدل التقزم من 9.7 في المئة (ما بين عامي 2004 و2021) إلى 12 في المئة هذا العام. فيما ارتفع معدل البدانة وزيادة الوزن لدى أطفال لبنان، من 18.9 في المئة (بين عامي 2004 )2021 إلى 26 في المئة، وهو رقم كبير جداً لا سيما وأن المعدل العالمي للبدانة عند الأطفال يتراوح ما بين 5.7 و9 في المئة، ما يشير إلى أننا في مرحلة خطيرة، كونه يعني عدم حصول الأطفال على الفيتامينات والمعادن التي يحتاجونها لنموهم السليم، وهذا ما يعرف بالجوع الخفي”.

ما هو الأمن الغذائي وكيف يتمّ تحقيقه؟

من جهتها تلفت خبيرة التغذية بتول اللو في حديثها لموقع ” هنا لبنان” إلى أنّ “الأمن الغذائي يتحقق عندما يتاح لجميع الناس، في جميع الأوقات، الحصول على غذاء كاف وآمن ومغذٍّ للحفاظ على حياة صحية ونشيطة”.

ولتحقيق أمن غذائي متوازن، تقول اللو “هناك عدة استراتيجيات يمكن تنفيذها، منها:

1- زيادة الإنتاج الغذائي: عبر زيادة الإنتاجية الزراعية من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة، والاستثمار في البحث والتطوير، وتسهيل الوصول إلى المدخلات الزراعية مثل الأسمدة وأنواع البذور المحسنة.

2- تعزيز توزيع الغذاء: عن طريق تطوير وصيانة أنظمة فعالة وموثوقة لتوزيع الغذاء، بما في ذلك النقل والتخزين والبنية التحتية للسوق، لضمان وصول الغذاء إلى من هم في أمس الحاجة إليه.

3- تحسين جودة الغذاء: عبر تعزيز إنتاج واستهلاك أغذية آمنة ومغذية، مع الحد من انتشار الأمراض المنقولة بالأغذية وسوء التغذية.

4- تعزيز الوصول إلى الغذاء: عبر تفعيل دور شبكات الأمان الاجتماعي، مثل برامج المساعدة الغذائية وبرامج التغذية المدرسية.

وتشير اللو إلى أن “الأمن الغذائي يكون متوازناً عندما تتحقق المعادلة التي تتوافق بين مدخول الفرد ومصروفه، وهذا من دور الدولة اللبنانية تأمينه. أمّا اليوم فأصبح المواطن اللبناني مجبراً على شراء الأغراض الضروريّة فقط، ما لا يتوافق وأمنه الغذائي”.

نصائح للمحافظة على أمننا الغذائي

إن الأمن الغذائي يدخل ضمن سياسة وطنية وتقع المسؤولية بالكامل على الدولة لتحقيق الأمن للمواطن وليس من دور أخصائي أو خبير التغذية القيام بتحقيقه. ولكن إن لم يكن في وسع المواطن شراء هذه المواد فإن خبير التغذية يضطر إلى حذف بعضها على حساب أخرى. فخبير التغذية يعجز عن تلبية أمن المريض أمام تضخم الوضع الاقتصادي. لأنه وبالمقارنة مع دخل المواطن، نجد أن هناك فرقاً شاسعاً بين الدخل المتوسط والأسعار المتداولة في الأسواق اللبنانية”.

وتنصح اللو العائلات “بشراء لائحة المواد الغذائية الضرورية والمتاحة للوصول إلى الحد الأدنى من الأمن الغذائي. مع التقليل من الكميّة المعتمدة يوميّا. مثلاً يمكن أن يشتري الفرد نصف الكمية من الخبز وتأمين المستلزمات الأخرى أيضاً، وبالتالي عندما يقلل المواطن من سلته الشرائية في كل صنف إلى النصف يضمن الاستفادة من التنوّع في غذائه وأخذ جميع مصادر التغذية الضرورية له”. مشيرة إلى أنّ “الهرم الغذائي تغيّر في لبنان، حيث تربع الخبز والمعكرونة على رأس الهرم لتأتي السكريات في المرتبة الثانية، من بعدها الزعتر، ورابعاً الحليب ومشتقاته، وخامساً اللحم والدجاج وأخيراً السمك”.

العائلة الصغيرة تحتاج إلى أكثر من 10 ملايين ليرة في الشهر على الأقلّ

وتفنّد إخصائيّة التغذية طرحها للعائلة المؤلفة من 4 أشخاص (راشدين وطفلين) لتأمين أبسط حاجاتهم الغذائية بأقلّ كلفة ممكنة وضمان نظام غذائي صحّي، مقترحة شراء التالي:

4 ربطات خبز بالشهر: سعر ربطة الخبز الكبيرة والتي تزن 855 غراماً تبلغ 43000 ليرة لبنانية أي 127000 ليرة لبنانية بالشهر.

4 علب لبنة 1 ‎كيلو لبنة بلدية كاملة الدسم ومخففة الملح والتي تزن 1000 غراماً تبلغ 579000 ليرة لبنانية أي 2,316,000 ليرة لبنانية بالشهر.

4 علب حليب: علبة (1 ليتر ) تبلغ 161000 ليرة لبنانية أي 644,000 ليرة لبنانية بالشهر.

4 كيلو رزّ: سعر 2.27 كيلو من الأرز أصبح بـ617,750 ألف ليرة لبنانية أي 2,471,000 ليرة لبنانية بالشهر.

1 ليتر زيت زيتون: 778,000 ليرة لبنانية بالشهر.

كرتونة بيض عدد 2: 330 ألف ليرة الكرتونة أيّ 660 ألف ليرة بالشهر.

1 كيلو سكر : 100,000 ليرة لبنانية.

2 كيلو تفاح و2 كيلو برتقال: حوالي الـ150 ألف ليرة

كيلو فاصوليا بيضاء: 166,000 ليرة لبنانية بالشهر.

4 علب من الفول المعلب: حوالي الـ200 ألف ليرة

1 كيس برغل ناشف: 100 ألف ليرة

2 كيلو لحمة مفرومة: حوالي الـ700 ألف ليرة بالشهر

4 دجاجات كاملة: حوالي الـ700 ألف ليرة

بالنسبة للسمك (علبتي تونة في الشهر): حوالي الـ400 ألف ليرة

وبذلك يكون المجموع حوالي الـ10 ملايين ليرة. أي ما يقارب الـ100 دولار.

في المحصّلة، قد يكون هذا المبلغ ضخماً للبعض في بلد لا يتخطى فيه الحدّ الأدنى للأجور حاجز المليونين و600 ألف ليرة. علماً أنّ ما تقدّمنا به تركّز على أبسط الأساسيات الغذائيّة للفرد، للمحافظة على صحّته وأمنه الغذائي. ليبقى على المواطن مهمّة تأمين دخل آخر، وسط تلكؤ المعنيين عن إيجاد حلول اقتصاديّة للأزمة. وإلى أن يصحى سياسيو هذا البلد، يقاتل اللبنانييون يومياً لتأمين لقمة عيشهم، والبقاء على قيد الحياة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us