المرافئ والمطارات ثروة اقتصاديّة قد تنتشل لبنان من أزمته.. فمن يتحرّك؟


أخبار بارزة, خاص 23 حزيران, 2023

في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها لبنان، تظهر أهمية إعادة تشغيل المرافئ والمطارات في لبنان لتخفيف الضغط عن مرفأ ومطار بيروت أولاً ولخلق فرص عمل جديدة وتحريك العجلة الاقتصادية ثانياً.

كتبت باولا عطية لـ “هنا لبنان”:

أعادت تغريدة النائب نعمة افرام التي نشرها على حسابه عبر تويتر منذ بضعة أيام، ملفّ المرافئ والمطارات في لبنان إلى الواجهة من جديد، حيث قال افرام إنّ “مرفأ جونية جاهز لاستقطاب السياح والبواخر المتوسطة الحجم في غضون ٣ أسابيع، وأدعو الوزراء المعنيين، وعلى رأسهم وزيرا الأشغال والسياحة، إلى المساهمة في إعادة تشغيل المرفأ لكي يلعب دوره في تفعيل الموسم السياحي وتخفيف الضغط عن مطار بيروت”، لتطرح العديد من الأسئلة حول مدى أهميّة وضرورة تفعيل المرافئ والمطارات في لبنان، وأيّ فرص اقتصاديّة قد تنتج عن هذا المشروع، خصوصاً في ظلّ هذه الظروف الاقتصاديّة الصعبة التي يمرّ بها لبنان.

تنمية إقتصاديّة في المناطق والأطراف

وفي هذا الإطار، اعتبر البروفسور روك أنطوان مهنا، المستشار الدولي في الاقتصاد والاستراتيجيّة، في حديث خاص لموقع “هنا لبنان” أنّ “تشغيل مرافئ أخرى ومطارات أخرى في لبنان، يخلق تنمية إقتصاديّة في المناطق والأطراف، فعلى سبيل المثال: تشغيل مطار حامات يؤمّن نحو 3000 فرصة عمل في منطقة كسروان جبيل والبترون وباقي مناطق الشمال، ويخفّف الضغط على مطار بيروت، الذي قد تتأخر رحلاته لمجرّد أن تعلق شاحنة في نفق سليم سلام أو تطوف الطرقات، ناهيك عن مواضيع أمنيّة كانت تحدث على هذه الطريق من خطف وغيرها. هذا وأظهرت الدراسات أنّ طبيعة المطار الجعرافيّة لا تكلّف الكثير من الأموال لإعادة تشغيله. وعلى غرار هذا الأخير يأتي مطار القليعات ورياق اللذين تفتح إعادة تشغيلهما فرصاً مهمّة وكبيرة”.

ولفت مهنا إلى أنّ “المؤشّرات الاقتصاديّة والتنمويّة العالميّة، تستند إلى عدد المرافئ البحريّة أو المطارت في الدولة الواحدة والتي كلّما زادت كلّما خلقت فرصاً إقتصاديّة”، مشيراً إلى أنّ “الاستثمار في هذه المرافئ والمطارات أمر سهل، لأنّه يأتي ضمن اتفاقيّة BOT وهي شراكة بين القطاعين العام والخاص، حيث أنّ هناك العديد من الشركات الدوليّة التي تهتمّ بالاستثمار بهذه القطاعات وتشغيلها لمدّة زمنيّة معيّنة كالعشر سنوات على سبيل المثال، ومن ثمّ تعيدها للدولة اللبنانيّة، وتكون بهذه الفترة قد خلقت العديد من فرص العمل وأدخلت الكثير من الإيرادات بالعملات الصعبة على خزينة الدولة”.

مشاريع عديدة طرحت لاستثمار مرافئ لبنان

وعن موضوع المرافئ البحريّة يقول “كان هناك قرار بخصوص مرفأ جونيه ولكن كان يتطلّب تشغيله أن يتمّ بناء جسر بحري بموازاته، ولكنّ ذلك مكلف، لأن طرقات جونيه ومداخلها ومعظم طرقات كسروان عانت من الإهمال بتطوير البنى التحتيّة لسنوات عدّة، ومنذ عهد الرئيس فؤاد شهاب، إلّا أنّه يمكن بناؤه عبر اتفاقيّة BOT، تنشئ الجسر من جونيه إلى كازينو لبنان، ما يتطلّب دراسة للبنى التحتيّة منعاً من زيادة الضغط على المنطقة، مع بناء جسور أفقيّة لأوتوستراد الدورة كسروان، ووضع دراسة لتخطيط بحري. وبالتالي بناء المرفأ في جونيه والذي يعدّ ضرورة حيويّة للمنطقة، يتطلّب تأمين الطرقات أيضاً. وقد أعدّت دراسة بالفعل للجسور من جونيه إلى الضبية فالدورة من قبل البنك الدولي، وتمّ اقتراح التاكسي البحري، حيث أن امتداد لبنان الجغرافي على الشطّ يعتبر ثروة حقيقيّة ويفتح خطّ على طول هذا الشاطئ من طرابلس شمالاً إلى صور جنوباً. وهذا الخطّ كان محط اهتمام شركة صينيّة، أرادت خلق مرافئ بحريّة لنقل الشاحنات من ترابة وغيرها من أنواع الشحن الداخلي التجاري، بالإضافة إلى أماكن سياحيّة، وخطّ مواصلات بحري على طول هذا الامتداد، ما يخفف من استهلاك الطاقة والنفط للنقل البري ويخفف من الضغط في التنقلات. كما طرحت دراسة لمشروع خطّ الباص السريع على الامتداد نفسه، بتمويل من البنك الدولي، على أن يتمّ خلق هذه النقاط البحريّة ذات الجدوى الاقتصاديّة العالية والكلفة المتدنيّة”.

وشدّد على أنّ “هذه المطارات وهذه المرافئ تقدّم قيمة إضافيّة وهي ثروة اقتصاديّة حقيقيّة يمكن استثمارها باتفاقيات BOT مع شركات دوليّة خاصّة. ولو كانت المرافئ صغيرة، يمكن اعتمادها كمرافئ داخليّة لنقل الشاحنات التجاريّة، ويتمّ استخدامها كمحطات للتاكسي البحري والنقل التجاري، ومنها نذكر مرفأ جلّ الديب. كذلك تفعيل مرفأ طرابلس قد يعود على لبنان بالكثير من المنفعة لكونه نقطة وصل عربيّة تصل بين لبنان ودولة سوريا وباقي الدول العربيّة”.

لبنان الأغلى من حيث كلفة التصدير

من جهته رأى الخبير الاقتصادي باتريك مارديني أنّ “وضع المرافئ في لبنان كان مزرياً منذ ما قبل الأزمة الاقتصاديّة التي اندلعت في العام 2019 وقبل انفجار مرفأ بيروت، بسبب سوء الإدارة. فإن لاحظنا مدى طول المدة التي يحتاجها إنجاز معاملات التصدير بين تجميع الأوراق (document) والامتثال إلى القوانين (compliance) سيتبيّن لنا أنّها تحتاج إلى 144 ساعة، فيما المعدّل الطبيعي لهذه المعاملات في بلدان طبيعيّة لا يجب أن يتعدّى الـ 15 ساعة، أمّا في دول متطوّرة، فتخليص معاملات المرفأ يمكن إنجازه خلال ساعة كحدّ أقصى، وتعقيد هذه المعاملات يؤدّي إلى ارتفاع الأكلاف. فكلفة التصدير في لبنان للعام 2020 بلغت نحو 580$ فيما بحسب أرقام دول الدخل المرتفع والتي من المفترض أن تكون كلفة التصدير لديها أغلى من لبنان، فلا تتخطى الأخيرة الـ200$، أمّا في البلدان التي تسعى إلى تنمية التجارة الخارجيّة لديها وتحفيز مرافئها فكلفة التصدير هي صفر (أي لا كلفة للتصدير فيها). فيما التصدير في لبنان مكلف جداً وذلك مرتبط بالإجراءات المعقّدة.

الاستيراد يكلّف وقتاً ومالاً والمتضرر الأوّل هو المستهلك

ومن جهّة الاستيراد، يتطلّب تخليص المعاملات 250 ساعة، فيما معدّل البلدان المتقدّمة لا يتخطّى الـ11 ساعة، أيّ أنّ الوقت في لبنان هو ضرب 23 مرّة تقريباً. أمّا في البدان الـHigh performing أيّ ذات الأداء العالي، فمعاملات الاستيراد لا تتطلّب أكثر من ساعتين كحدّ أقصى. وعن كلفة الاستيراد يقول مارديني أنّها تصل في لبنان إلى 920$ فيما في البلدان الثرية حيث من المفترض أن تكون الكلفة أعلى، تصل كلفة الاستيراد إلى 120$، وعددها 25 بلداً حول العالم، وفي البلدان التي تعتمد على حركة الاستيراد والتصدير يتمّ تسهيل هذه المعاملات وتخفيض الكلفة إلى الصفر، وبالتالي لا كلفة لتخليص المعاملات فيها، وتشمل نحو 30 بلدا حول العالم. وهذه التعقيدات والكلفة المرتفعة للاستيراد والتصدير في المرافئ في لبنان تؤدي إلى ارتفاع الكلفة على المستهلك، وإلى تفادي الناس العمل في هذا القطاع. وبالتالي التجار الذين يصدّرون ويستوردون يتكبّدون الكثير من التكاليف والوقت لتخليص البضائع، ما ينعكس على المستهلك النهائي، حيث أنّ أيّ كلفة إضافية سيتكبّدها التجار ستنعكس تلقائياً على سعر السلع، وذلك يسمح أيضاً باحتكار هذا القطاع من قبل بعض التجار ما يكسر النافسة”.

فتح المرافئ يعيد لبنان إلى خارطة الترانزيت

والحلّ الأنسب، بحسب مارديني، هو “بفتح المرافئ في لبنان لتشجيع المنافسة، فالساحل اللبناني مليء بالمرافئ ما يسمح لهذه الأخيرة بالتنافس فيما بينها. ويحفّز على تحسين الخدمات وتخفيض الكلفة على المستوردين والتجار، وقد يعيد لبنان إلى خارطة الترانزيت في المنطقة، وتفعيل التجارة الإقليمية وخلق فرص عمل جديدة واستثمارات جديدة، ويجذب الشركات الأجنبيّة للاستثمار في لبنان ويعيد الثقة بالبلد”.

نعم للخصخصة لا لإدارة الدولة

بدورها، تؤكّد الخبيرة الاقتصادية ليال منصور، في حديثها لـ” هنا لبنان” أنّ “صغر حجم مرفأ بيروت، قد يعيق عمليّة استيعاب المعاملات، ويزيد الضغط ومعه الفوضى، والتكاليف. أمّا تشغيل مرافئ أخرى فسيؤدّي إلى تحسين الناتج القومي وتطوير الاقتصاد وفتح فرص للتوظيفات وإدخال المزيد من الايرادات إلى خزينة الدولة فضلاً عن تطوير حركة التجارة من استيراد وتصدير”.

إلاّ أن منصور حذّرت من “استلام الدولة مهمّة تشغيل المرافئ الأخرى، حيث أنّ تجاربها السابقة في تشغيل المرافئ العامّة أثبتت فشلها، مشجعة على خصخصة هذه المرافئ، منعاً للفساد والتوظيفات العشوائية، ولضمان حسن سير العمل فيها”.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us