الدولة الكرتونية تتحدّى: جاهزون للحرب!


خاص 6 حزيران, 2024

البلد المنهار منذ 5 سنوات، العاجز عن انتخاب رئيس للجمهورية، المنكوب بمسؤوليه والمشلول بمؤسساته والغارق بالنازحين، والذي يهرب أبناؤه إلى بلاد تليق بالحياة، والذي لا يمون على قراره، والذي لا يمتلك طائرة واحدة لا للقتال بل لإطفاء الحرائق، والذي ليست فيه ملاجئ، بأي إمكانات سيواجه أطنان الحديد والنار الإسرائيلية في كل مكان؟


كتب طوني عيسى لـ”هنا لبنان”:

لم يعد صعباً تحليل مسار الوضع في الجنوب. فحرب غزة لن تنتهي في المدى المنظور، و”حزب الله” يصرُّ على الترابط الحتمي بين الجبهتين. ولكن، هل تحافظ حرب الجنوب على “انضباطها” أم تتحوّل حرباً شاملة؟
على مدى 8 أشهر، تَدرَّج التصعيد: من الشريط الضيق المحاذي للحدود، إلى شريط يقترب من مجرى الليطاني. واليوم، تم تجاوز هذا الخط، وتحوّلت المنطقة الممتدة حتى صيدا وجزين والبقاع الغربي ساحة عمليات إسرائيلية يومية.
أركان الجيش وحكومة الحرب في إسرائيل يتحدثون عن استعدادات ميدانية حثيثة لتوسيع الحرب على لبنان. وحدد الوزير بيني غانتس ورئيس الأركان هرتسي هاليفي شهر أيلول حداً فاصلاً لها. وهذا الموعد ترجحه المعطيات الميدانية.
فحكومة نتنياهو تعاني ضغطاً شعبياً وسياسياً شرساً على خلفية 3 فجوات: فشلها في إطلاق الرهائن الذين تحتجزهم “حماس”، وعدم قدرتها على الحسم في غزة حتى اليوم، وإخفاقها في إعادة الأمن إلى شمال إسرائيل الذي هجره أكثر من 100 ألف نسمة.
يعتبر أركان حكومة نتنياهو أنّ حرب غزة وملف الرهائن يستحقان العناء لفترات طويلة، لأنّ المخطط المرسوم للقضاء على “حماس” وتحويل القطاع منطقة مدمرة ومهجرة، تمهيداً لجعله “ضفة غربية أخرى”، يستغرق شهوراً بل سنوات من الصبر والتضحيات. وأما أمن المنطقة الشمالية فيمكن تحقيقه سريعاً، ويجب أن يحصل، إما باتفاق مع لبنان على منطقة عازلة في الجنوب، وإما بفرض هذه المنطقة بالقوة. وطوال أشهر، كانت الأولوية للرهان على الاتفاق. لكن الاتجاه إلى الضربة بدأ يتنامى.
المبررات المتداولة في بعض الأوساط هي أنّ حكومة الحرب، في موازاة المراوحة في غزة، ستحسم الوضع مع لبنان وترتاح من إحدى نقاط الضغط الثلاث التي تسبب الإرباك لنتنياهو. وثمة كلام يورده الإعلام الإسرائيلي مفاده أنّ الحكومة ستؤمّن حتماً عودة سكان الشمال إلى منازلهم قبل أيلول، موعد افتتاح العام الدراسي الجديد. ولو اضطرت إلى شنّ حرب شاملة على لبنان.
ولأنّ “حزب الله” يرفض أيّ اتفاق في الجنوب قبل انتهاء الحرب في غزة، فالحرب الإسرائيلية الشاملة على لبنان واردة في أي لحظة، في غضون الأيام أو الأسابيع القليلة المقبلة. وللتذكير، غالباً ما يختار الإسرائيليون شنّ حروبهم في شهور الصيف الثلاثة: حزيران وتموز وآب، إلّا إذا فُرض التوقيت عليهم. وما يمنع إسرائيل من شنّ حرب واسعة على لبنان هو أنّ الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين يضغطون بقوة لتجنيب لبنان هذا الخطر، لأنه قد يؤدي إلى استكمال حلقات انهياره كدولة أو حتى ككيان. فهذا الانهيار سيزعزع الاستقرار على مستوى الشرق الأوسط ككل، حيث للغربيين مصالح أساسية أبرزها: ضمان أمن إسرائيل، ضمان أمن الشاطئ الشرقي للمتوسط كبوابة لأوروبا، ضمان عدم التدفق العشوائي غير الشرعي للمهاجرين إلى أوروبا، وضمان أمن الطاقة وإمداداتها.
وهذه الأهداف كان يضمنها القرار 1701 الذي أنهى حرب تموز، والذي بموجبه تم توسيع قوات “اليونيفيل” وتفعيلها. والتزاماً به، بقيت إسرائيل لسنوات تتجنب الإغارة جوّاً على أهداف “حزب الله” داخل الأراضي اللبنانية، فيما هي ترصد أهداف “الحزب” وإيران وتضربها بشكل منتظم في سوريا.
ويخشى بعض الغربيين أنهم عاجزون عن منع إسرائيل من شن حرب واسعة مدمرة على لبنان، في أي لحظة. فهي كثيراً ما تقوم بشن حروبها وفرض أمر واقع على الأميركيين والأوروبيين على رغم اعتراضاتهم. وفي المقابل، الغربيون عاجزون عن إقناع “حزب الله” بوقف حرب “المشاغلة” وعدم منح إسرائيل ذريعة لشن الحرب.
وهكذا، إذا لم تحدث معجزة سياسية مفاجئة، فالحرب الإسرائيلية باتت متوقعة. وإذا كان الأميركيون والأوروبيون والعرب يخشون “انهيار لبنان السياسي”، وفق تعبير جان إيف لودريان، فالمثير هو أنّ القوى النافذة وذوي الشأن في لبنان لا يُظهرون أي قلق من اندلاع الحرب الواسعة.
“الحزب” يعلن أنه على استعداد تام للحرب الشاملة. ويقول أركان حكومة نجيب ميقاتي: لبنان جاهز لكل متطلبات الحرب. وفي الواقع، يحار من يسمع هذا القول إذا كان عليه أن يضحك أو يبكي!
فالبلد المنهار منذ 5 سنوات، العاجز عن انتخاب رئيس للجمهورية، المنكوب بمسؤوليه والمشلول بمؤسساته والغارق بالنازحين، والذي يهرب أبناؤه إلى بلاد تليق بالحياة، والذي لا يمون على قراره، والذي لا يمتلك طائرة واحدة لا للقتال بل لإطفاء الحرائق، والذي ليست فيه ملاجئ، بأي إمكانات سيواجه أطنان الحديد والنار الإسرائيلية في كل مكان، كما في نموذج 2006 أو ما هو أسوأ؟
البلد الذي لا يعرف إذا كانت تقارير الكشف عن بلوكات الغاز فيه صحيحة أو “مسيسة”، والذي لا يُسمح له بالحصول على الغاز والكهرباء من مصر والأردن، كيف سيواجه الدولة التي تتدفق عليها ملايين براميل النفط والغاز، على رغم الحرب في غزة ومع لبنان، وتحميها البوارج وتتدفق عليها المقاتلات والمسيرات والصواريخ؟
إنّ عجز هذه السلطة عن مواجهة أي حرب إسرائيلية هو أمر لا يحتاج إلى إثبات. لكن الأسوأ هو أنّ هذه السلطة عاجزة حتى عن قول كلمة “لا” في الداخل. ولذلك، هذه الدولة الكرتونية، الساقطة أساساً في الداخل، لن تتحمل أي ضربة، وستسقط من الخارج أيضاً، كتمثال من ورق.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us