الليرة السورية بلا صور الأسد وبصفرَيْن أقلّ… فماذا سيكون وقعها على السوق السورية؟!

سوريا تسير في الاتجاه الصحيح نحو التعافي الاقتصادي، بدعمٍ من شركاء كبار جدًا يدعمون الاقتصاد السوري، على رأسهم المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات وتركيا، إضافةً إلى بعض الدول الأوروبية من أشقاء وشركاء وأصدقاء.
كتب أنطوان سعادة لـ”هنا لبنان”:
الليرة السورية تودّع صور بشار الأسد ووالده بعد عقودٍ من الهيمنة والسطوة التي حوّلت العملة الوطنية إلى أداة سياسية قبل أن تكون وسيلةً للتبادل. اليوم، وفي محاولةٍ لإغلاق صفحة نصف قرن من الاستبداد، تُقدِم السلطات النقدية على إزالة رموز آل الأسد من الأوراق النقدية، بالتوازي مع خطة شطب صفرَيْن من الليرة، في خطوةٍ تهدف إلى استرداد الثقة بالعملة.
هذه الخطوة ليست مجرّد تغيير شكلي، بل انعكاس لرغبة الشعب السوري في التحرّر من عبء الماضي، وتجربة حياة اقتصادية أكثر سهولة ومرونة.
في حديث خاص لموقع “هنا لبنان”، أكد الدكتور أسامة القاضي، الباحث الاقتصادي والمالي في سوريا، أنّ استبدال الليرة السورية أصبح أمرًا لا يمكن تأجيله. فالعملة الحالية تُواجه مشاكل كبيرة، أبرزها المضاربة، وتبييض الأموال، والتزوير، وهذه الأمور تجعل التعامل بالليرة صعبًا للغاية.
إضافةً إلى ذلك، هناك أزمة سيولة كبيرة، نتيجة استنزاف نظام الأسد وأعوانه لاحتياطيّات المصرف المركزي بالعملتَيْن السورية والأجنبية، الأمر الذي أدّى إلى ضغوط مالية كبيرة على الاقتصاد. وعلى الرغم من بعض المحاولات الموقتة لمعالجة المشكلة، يرى القاضي أنّ الحل النهائي يكمُن في إصدار عملةٍ جديدةٍ لتعزيز الثقة بالمصارف وبالمصرف المركزي.
كما أنّ خطوة إزالة صفرَيْن من الليرة ستسهّل الحياة اليومية للمواطن، فبدلًا من حمل كميات كبيرة من النقود لشراء حاجاته البسيطة، ستصبح التعاملات أسهل وأكثر مرونة.
يشير الدكتور أسامة القاضي إلى أنّ هناك الكثير من التكهّنات والمقترحات التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي حول شكل وصور العملة الجديدة، إلّا أنّ هذه التصاميم قد تُسَهِّل عمليات التزوير، وهو ما تحرص السلطات السورية على منعه بشكل صارم.
ويُضيف القاضي أنّ أهمّ ما يميّز العملة الجديدة هو غياب صور الشخصيات السياسية، الأمر الذي من شأنه أن يمنح دفعةً نفسيةً للمواطنين عند التعامل بالليرة الجديدة ويجعلها أكثر قبولًا في الشارع السوري.
لكي تنجح هذه الخطوة، يؤكد القاضي على ضرورة تحضير البنية التحتية المصرفية السورية لضمان إتمام الانتقال للعملة الجديدة بسلاسة، مع القدرة على ضبط أي محاولات تزوير.
مع اندلاع الحرب في سوريا، شهدت الليرة السورية انهيارًا غير مسبوقٍ، ففقدت أكثر من 99% من قيمتها مقابل الدولار، ما أدّى إلى تدهور القدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع أسعار السلع والخدمات بشكل هائل. أمّا اليوم، فإنّ سعر الليرة السورية في السوق الموازية يدور حول 10 آلاف ليرة للدولار الواحد، ما يجعلها من بين أضعف العملات في العالم من حيث القوة الشرائية.
بحسب القاضي، الشعب السوري كان يتطلّع منذ اليوم الأول لسقوط نظام بشار الأسد إلى التخلّص من العملة التي تحمل صوره. فقد كان هناك تحفّظ دائم لدى المواطنين، حتى أنّ بعض العاملين، مثل موظفي المطاعم، كانوا أحيانًا يرفضون أخذ العملة السورية التي تُظهر صورة بشار، كنوعٍ من الرفض الرمزي. هذا يعني أنّ الناس جاهزة نفسيًا لاستبدال هذه العملة بسرعة واعتماد العملة الجديدة.
لكنّ التحدي يكمن في البنية التحتية المصرفيّة. فلكي يتمّ الانتقال بسلاسة، يجب توفير عدد كافٍ من أجهزة الصراف الآلي (ATM) في كل مدينة؛ فمثلًا، تحتاج دمشق إلى حوالي 300-400 آلة، ويجب أن تكون حلب وغيرها من المناطق مزودةً بعددٍ كافٍ أيضًا. كما يجب أن تكون الأجهزة حديثة، تعمل بالطاقة الشمسية عند الحاجة، ومع وجود عنصر أمني في المرحلة الأولى لضمان سير العملية بسلاسة.
ويُضيف القاضي أنّ نظام الدفع يجب أن يكون جاهزًا للعمل خلال شهر على الأكثر، مع غرفة مقاصّة بين البنوك لتسهيل العمليات، واستخدام البطاقات المصرفية لتقليل الاعتماد على السيولة النقدية. هذا سيمكّن المواطن من الدفع في المطاعم والمتاجر و”المتاجر الكبرى” باستخدام البطاقة فقط، من دون الحاجة لحمل كل راتبه نقدًا، ما يجعل الانتقال للعملة الجديدة أكثر فعاليةً وأمانًا.
سوريا تسير في الاتجاه الصحيح نحو التعافي الاقتصادي، بدعمٍ من شركاء كبار جدًا يدعمون الاقتصاد السوري، على رأسهم المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات وتركيا، إضافةً إلى بعض الدول الأوروبية من أشقاء وشركاء وأصدقاء. وكلّما ازدادت الاستثمارات وضُخّ المزيد من القطع الأجنبي وخُلقت فرص عمل أكثر، ارتفعت الثقة بالليرة السورية وتحسّنت قيمتها.
كما تسعى سوريا إلى دعم سياسة الإنتاج للتصدير أكثر من الاستهلاك المحلي، ما يعني زيادة دخول القطع الأجنبي ودخول الأسواق العالمية. وبذلك تصبح الثقة في أداء المصارف السورية والليرة الوطنية هدفًا أساسيًا.