أم المصائب

القوى التي طرحت القتال خارج لبنان وتشكيل هيئة حوار وطني من ميليشيات خاصة هي أم المصائب التي زرعت أوراماً خبيثة في الجسد اللبناني فتنامت وتحولت إلى سرطانات شرسة تعمل على قتله كي لا تخسر ما حققته عبره، غير مدركة أنها ستموت بموته لأنها لن تجد بعده جسداً تمتص خيراته!
كتب محمد سلام لـ”هنا لبنان”:
معاهدة سايكس بيكو التي بموجبها تقاسمت بريطانيا وفرنسا منطقة الهلال الخصيب في العام 1916 تخضع لعملية تجديد لشبابها يجريها جرّاح أميركي بمساعدة طاقم بريطاني-فرنسي-عربي-تركي لاستئصال أورام خبيثة انتشرت في الجسد الهرم محاولةً إبقاءه أسير حلف أقليات يمنع انتقاله إلى مستقبل آمن تتشارك مكوّناته في صنع ازدهارها بدلاً من إدمان تناحرها.
الأورام الثلاثة الفارسية-الكردية-الداعشية ذات طبيعة باطنية وتتلطى خلف ستارة مسرح وهمي يعرض على خشبته بكائية-لطمية اسمها الحركي “استراتيجية دفاعية” تخفي وراء أكاذيب انتصاراتها قبور هزائم الشعوب التي تستغلها كما التي تعاديها على حد سواء.
الإستراتيجية الدفاعية هي السمّ الذي يدسه حزب الله في دسم الدولة اللبنانية ليحافظ على سطوته عليها عبر الاحتفاظ بسلاحه الذي يزعم أنه يؤمّن القوة للجيش كي يواجه إسرائيل، علماً بأنّ هذا السلاح لم يحقق أيّ انتصار للدولة اللبنانية ومن ضمنها الإدعاء الكاذب بأنه حرر جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي في العام 2000 علماً بأنّ ما جرى حينها هو فقط إحلال الإحتلال الفارسي بديلاً من الإحتلال الإسرائيلي الذي انسحب تحت ضغط حركة “الأمهات الأربع” الإسرائيلية التي تأسست في العام 1997 في تل أبيب بهدف المطالبة بانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية التي تحتلها منذ حرب العام 1967 .
ونظراً للتأييد الشعبي الواسع الذي حققته الحركة في المجتمع الإسرائيلي الذي يحترم الأمهات حرص رئيس الوزراء إيهود باراك على أن يُدرج ضمن عناوين حملته الإنتخابية إلتزامه بإخراج الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان وهو ما حققه في أيار العام 2000 من دون أي اشتباك.
وبعد الإنسحاب الإسرائيلي لم يُسمح للجيش اللبناني بالإنتشار في ما كان يعرف بالمنطقة الأمنية التي احتلتها إسرائيل لمدة 18 عاماً ما يعني أنّ الأرض لم تستعد سيادة دولتها، أي أنّ التحرير لم يتحقق، وما حصل هو فقط إحلال الإحتلال الفارسي ممثلاً بحزب الله مكان الإحتلال الصهيوني، وهذه الحقيقة قد تستدعي إلغاء ما يعرف بعيد المقاومة والتحرير الذي يحتفل به سنوياً في 25 أيار، أقله احتراماً لصدقية تاريخ لبنان الذي يحدد أنّ الجيش اللبناني دخل إلى جنوب الليطاني بعد 6 سنوات من الإنسحاب الإسرائيلي وتحديداً بموجب قرار مجلس الأمن الدولي 1701 الذي أقر بالإجماع في 12 آب العام 2006.
إضافة إلى ضرورة تصحيح تاريخ دخول الجيش إلى جنوبي الليطاني لاستعادة سيادة الدولة، لا بد من تصحيح دفن 12 كتاباً للتاريخ اللبناني الموحد لجميع المراحل المدرسية الإبتدائية والمتوسطة والثانوية، والتي منع وزير التربية في حينه عبد الرحيم مراد طباعتها منذ العام 2002 .
وعلى الرغم من موافقة الحكومة آنذاك على كتاب التاريخ الموحد، استفز كتاب الصف الثالث في المرحلة الابتدائية عبد الرحيم مراد لأنه يتحدث عن الإستقلال اللبناني والسيادة ما يزعج حليفه حافظ الأسد وضابط مخابراته غازي كنعان. فمنع طباعة كتب التاريخ كلها وما زالت في الأدراج حتى الآن.
ومصير كتب التربية المدنية ليس أفضل لأنها أيضاً تتحدث عن التنشئة الوطنية والسيادة ما يزعج الإحتلال بشقيه الأسدي والفارسي الذي لا يرحب بجيل لبناني يربى على التمسك بالسيادة والكرامة الوطنية.
فهل ستعمل المنظومة الحاكمة على تصحيح هذه الجرائم الوطنية العظمى حرصاً على تربية أجيال على حب الوطن، والسيادة، والكرامة؟
وهل سيتم توجيه البلديات والدوائر المعنية “لتنظيف” الشوارع والشركات والمحال التجارية من التسميات التي ترمز إلى حقبة الإحتلالات الثلاثة الأسدي-الفارسي-الصهيوني في محاولة لإعادة بناء مواطن جديد من غير مدمني ثقافة الفساد على تعدد شرائحها وتناقض طبقاتها؟؟
وفي السياق السيادي، ألغى الموفد الرئاسي الأميركي توم باراك جولة كانت مقررة على منطقتي الخيام وصور لتفقد ما يعرف بمنطقة ترامب الإقتصادية في القطاعين الشرقي والغربي من جنوب لبنان بعدما تجمهرت عناصر تابعة لحزب الله على الطرقات المؤدية إليهما إحتجاجاً على ما يعتبرون أنه انحياز أميركي لإسرائيل ضد “المقاومة” .
وأفاد مراسل “النشرة” في الجنوب، بأنّ مسيّرة إسرائيلية رمت في خراج بلدة العديسة مناشير ورقية، تضمنت تهديدًا مباشرًا لأحد أبناء المنطقة من المتعاونين مع حزب الله، وتحذيراً من التعاطي مع مسؤولي البلديات التابعة للحزب.
وفي السياق ذكرت جريدة الأخبار أنه يتوقع أن يبدأ حزب الله “عبر مؤسساته وتشكيلاته المعنية …بتمويل عملية إعادة الإعمار في الضاحية الجنوبية والمناطق المتضرّرة بالحرب باستثناء شريط القرى الحدودية …”
ولم تذكر الصحيفة لماذا يستثني حزب الله بلدات الحافة الأمامية الجنوبية من إعادة الإعمار مع أنها دفعت، وما زالت، الثمن الأكبر لتمركز قوات الحزب ومنشآته فيها.
لكن مصادر عربية متابعة ذكرت أنّ الحزب لا يريد مقاربة ما يعرف بمناطق ترامب الإقتصادية لأنها تشمل شراكة بين مستثمرين من عدة جنسيات عربية وأوروبية وأميركية وإسرائيلية وأعضاء في الكومونولث البريطاني ما يستدعي تعيين مدققي حسابات محترفين لمتابعة دقة الإنفاق وحصول كل مستثمر على عائداته المحمية من السرقة والفساد وسيطرة خلايا الإرهاب.
وقال أحد المصادر إنّ أهم مدققي الحسابات في العالم القديم، أي قبل 3 آلاف سنة قبل الميلاد، “كانوا في مصر القديمة فقد استخدم المصريون القدماء ورق البردي لتسجيل معاملاتهم، وكان لديهم نظام محاسبي متطور نسبيًا لإدارة شؤون الدولة والمخازن والمعابد. كانت هذه خطوة هامة في نشأة وتطور علم المحاسبة.”
ولفت المصدر إلى زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى مصر بالتزامن مع ما يتردد عن أن مناطق ترامب الإقتصادية ستعمد إلى الإستعانة بمدققي حسابات مصريين لضبط عمليات الإستثمار وحركة الأموال ما يشجع رجال وسيدات الأعمال على الإستثمار في المشروع وهو بالضبط ما يخيف حزب الله كون المدقق المصري مشهور بحساسيته المفرطة تجاه الفساد والرشوة وتمويل الإرهاب ما يهدد بكشف مصادر أموال الحزب وحركتها.”
لذلك عمد الحزب إلى الترويج للإستراتيجية الدفاعية كي ينتج عبرها “حشداً شعبياً” كشقيقه العراقي سيئ الصيت الذي تتمكن إيران عبره من الحفاظ على سيطرتها على مسار الدولة العراقية التي تسللت إليها وراء قوات الغزو المعروفة بإسم تحالف الراغبين بقيادة غبية من الولايات المتحدة الأميركية التي قادت الغزو على خلفية تهمة ملفقة هي امتلاك عراق الرئيس صدام حسين أسلحة دمار شامل ثبت كذبها وعدم وجودها من أساسه.
وارتكب حزب الله خطأ قانونياً ومنطقياً كبيراً عندما أرسل فصائله “المقاومة” إلى سوريا لدعم نظام بشار الأسد تحت شعار “كي لا تسبى زينب مرتين” ما أفقد عناصره صفة المقاومة كونها خرجت من بلدها الذي تزعم أنه محتل لتقاتل في بلد آخر ضد شعب مدني بريء ارتكبت بحقه مجازر لا يتصوّرها عقل ليس أقلها البراميل المتفجرة ومكابس الأحياء والأموات وتذويب الضحايا بالأسيد ما أفقده كلياً صفة مقاومة وحوّله في نظر القانون وغالبية دول العالم إلى مجرد مجرم حرب أسوأ من النازيين الألمان والفاشيين الطليان.
وكشف “إعلان بعبدا” الذي أصدره الرئيس الأسبق ميشال سليمان في زمن سطوة التحالف الأسدي الفارسي أنّ ” هيئة الحوار الوطني” التي اجتمعت في 25 حزيران العام 2012 أقرت اعتماد “الإستراتيجية الوطنية للدفاع” على أن يتم إبلاغ جامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة نسخة لكل منهما عن إعلان بعبدا.
يُذكر أنّ الدستور اللبناني لا يتضمن أي ذكر لمفردة “مقاومة” وعبارة الإستراتيجية الوطنية للدفاع ما يجرد حزب الله من أي حق في اعتبار سلاحه مكملاً لسلاح الدولة، لأنّ “المقاومة” عندما تقاتل دفاعاً عن دولة ثانية خارج أرضها تتحول إلى مجموعة مرتزقة لا أكثر كما أن السياسة الدفاعية لأي دولة تقرها حكومتها بالتعاون مع قيادة جيشها من دون التشاور مع أي ميليشيات، ما يجعلها أيضاً مجرد قوة مرتزقة .
وهكذا تصير القوى التي طرحت القتال خارج لبنان وتشكيل هيئة حوار وطني من ميليشيات خاصة مجرد أم المصائب التي زرعت أوراماً خبيثة في الجسد اللبناني فتنامت وتحولت إلى سرطانات شرسة تعمل على قتله كي لا تخسر ما حققته عبره غير مدركة أنها ستموت بموته لأنها لن تجد بعده جسداً تمتص خيراته.
مواضيع مماثلة للكاتب:
![]() لبنان قضم وغيره سيبتلع!! | ![]() لبنان ينتظر الحل الدولي | ![]() خطوة لبنان الأولى على درب التعافي |