سوق العمل اللبنانية مخطوفة… ووزير العمل لـ “هنا لبنان”: خطة حازمة لضبط العمالة السورية

هناك قطاعات معيّنة لا يقبل بها عدد كبير من اللبنانيين، إمّا لأسباب اجتماعية أو بسبب تدنّي الأجور وظروف العمل القاسية. وهذا ما يدفع الكثير من أصحاب العمل إلى الاستعانة باليد العاملة السورية، التي تبقى الخيار الأسهل والأسرع في ظلّ غياب بدائل محلية فعلية.
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
شهدت سوق العمل اللبنانية في السنوات الأخيرة تحوّلًا جذريًا قلب معادلات التوظيف رأسًا على عقب. العمالة السورية لم تعد تقتصر على مجالات الزراعة والبناء كما في السابق، بل تمدّدت بشكلٍ واسعٍ وغير منظّمٍ إلى مختلف القطاعات، حتّى تلك التي كانت تُعدّ حكرًا على اليد العاملة اللبنانية.
من المطاعم والمقاهي، إلى صالونات التجميل، مرورًا بالمحلّات التجارية، المتاجر الكبرى، الفنادق، وحتّى الملاهي الليلية… لا يكاد يخلو أي قطاع في لبنان اليوم من العمالة السورية. مشهد بات مألوفًا إلى حدّ الصدمة: العامل السوري حاضر في كل زاوية، في كل شارع وحي ومؤسّسة، فيما العامل اللبناني يُزاح تدريجيًا نحو البطالة، يركض خلف فرصة تتلاشى أمامه يومًا بعد يوم. لقد تحوّلت بعض القطاعات إلى ما يُشبه الحكر على اليد العاملة السورية، وسط عجز الدولة وتراخي الرّقابة، وغياب أي رؤية تنموية تحمي اللبناني في سوقٍ باتت تُدار بمنطق الفوضى واليد الأرخص.
فوضى في غياب الدولة
ويزداد وقع هذه الظاهرة خطورةً حين تتزامن مع بطالة خانقة تضرب المجتمع اللبناني، خصوصًا بين الشباب والخرّيجين الجدد، في وقتٍ تغيب فيه الرقابة الرسمية بشكل شبه كامل.
مؤسّسات الدولة المعنيّة، وعلى رأسها وزارات العمل المُتعاقبة، بدت في الكثير من المراحل وكأنّها خارج المشهد، ما سمح بتحوّل سوق العمل إلى ساحةٍ مفتوحةٍ تُفرض فيها المعادلات بمنطق الكلفة لا بمنطق القانون، في تهديدٍ صريحٍ للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في البلاد.
نظرة أصحاب العمل والمواطنين
في الشارع اللبناني، تُوجّه أصابع الاتهام إلى الدولة ومؤسّساتها، التي تُتهم بالتقاعس عن حماية اليد العاملة الوطنية. في المقابل، يرى أصحاب المؤسّسات أنّ العامل السوري يشكّل خيارًا أكثر مرونة: يتقاضى أجراً أقل، يعمل لساعاتٍ أطول، لا يطالب بالضمان أو أي امتيازات، ويؤدّي المطلوب منه من دون شروط. أمّا العامل اللبناني، فيُتهم غالبًا بأنه يرفض بعض المهن، أو أنّ طموحه يفوق طبيعة الفرص المتاحة، أو أنّ الأجور المطروحة لا تكفيه لتأمين الحد الأدنى من المعيشة في ظلّ الانهيار الاقتصادي.
لكنّ هذه المبرّرات، مهما بلغت وجاهتها، لا تبرّر الإبقاء على الفوضى القائمة. فاستمرار التوظيف غير الشرعي، وتوسّع العمالة السورية غير المنظمة، لا يشكّلان فقط مشكلةً قانونيةً، بل خطرًا مباشرًا على الاقتصاد اللبناني برمّته. فهذه العمالة، التي لا تدخل ضمن الدورة الاقتصادية الرسمية، تحرم الخزينة من الضرائب والاشتراكات، وتُغرق السوق بالمنافسة غير المتكافئة، وتدفع بالأجور إلى الحضيض، وتُقلّص فرص العمل أمام اللبنانيين الذين يجدون أنفسهم في موقعٍ مُهمّشٍ، لا في قلب المعادلة الإنتاجية.
وزارة العمل تتحرّك
في هذا الإطار، بدأت وزارة العمل تحرّكًا فعليًا لمعالجة الظاهرة، إذ يؤكد وزير العمل الدكتور محمد حيدر في حديث خاص لـ”هنا لبنان” أنّ “هناك خطة شاملة ستطرح على طاولة مجلس الوزراء لتنظيم العمالة الأجنبية”، قائلًا: “ندرك حجم المشكلة، وقد أطلقنا حملات تفتيش خلال الأشهر الماضية، ولكن قدراتنا محدودة وعدد المفتشين غير كافٍ لتغطية كلّ الأراضي اللبنانية. هناك خطة لتعزيز الرقابة، لكن التنفيذ يحتاج إلى دعم سياسي وإداري جدّي”.
ويتابع: “وزارة العمل أصدرت قراراتٍ عدّةٍ للحدّ من هذه الفوضى وكان أبرزها، فرض شروط تنظيمية مشدّدة على أصحاب العمل عمومًا، ضمن إطار إعادة تنظيم سوق العمل ووقف التوظيف العشوائي. ومن بين هذه الشروط: رفع الحدّ الأدنى لرأس مال الشركات من 105 ملايين ليرة إلى مليار ليرة لبنانية، تجميد مبلغ 2 مليار ليرة لبنانية في مصرف الإسكان، حيث لا يمكن لصاحب المؤسسة التصرف به طالما أنّ الشركة تستفيد من إجازة عمل، كما اشترطت الوزارة أن يكون مقابل كل عامل أجنبي مُسجّل، هناك ثلاثة لبنانيين موظّفين ومسجّلين رسميًا في الضمان الاجتماعي، مع التشدّد الصارم في تطبيق قرار حصر المهن المحميّة باللبنانيين فقط من دون أي استثناء”.
ويضيف حيدر: “كلّ ذلك في محاولة لضبط الفوضى القائمة وضمان أولوية اللبناني في التوظيف. وقد تمّ فعليًا إصدار توجيهات لعددٍ من المؤسّسات للالتزام بالقرارات، وإغلاق ملفات تشغيل غير قانونية”.
لكن على الأرض، لا تزال النتائج غير ملموسة. المحلّات توظف عمالًا سوريين بلا أوراق قانونية، والوظائف البسيطة التي كانت تُتيح فرصةً للشباب اللبناني باتت محجوزةً لغيرهم. الرقابة توصف أحيانًا بالانتقائية، وأحيانًا أخرى يُتّهم المواطنون الدولة بالتواطؤ أو الإهمال.
اعتراف بالواقع… وخطة وطنية مطلوبة
وهنا يقول حيدر: “الوزارة لا تتجاهل الواقع الفعلي، علينا أن نكون واقعيين، فهناك قطاعات معيّنة لا يقبل بها عدد كبير من اللبنانيين، إمّا لأسباب اجتماعية أو بسبب تدنّي الأجور وظروف العمل القاسية. وهذا ما يدفع الكثير من أصحاب العمل إلى الاستعانة باليد العاملة السورية، التي تبقى الخيار الأسهل والأسرع في ظلّ غياب بدائل محلية فعلية”.
أمّا بالنسبة للعمالة السورية غير الشرعية، فيؤكد حيدر أنّ “الوزارة لا تتهاون معها، بل تعمل على الحدّ منها بشكلٍ تدريجيّ ومدروس، مشيرًا إلى أنّ الظاهرة ليست وليدة اليوم، بل تعود إلى عقود من التراكم والفوضى، تفاقمت بعد الأزمة السورية عام 2011. ويضيف: “هذه المسألة معقّدة وتتطلّب تنسيقًا على أعلى المستويات، بين السلطات اللبنانية ونظيرتها السورية، إضافةً إلى تعاونٍ مباشرٍ مع الأجهزة الأمنية والبلديات، لأنّ المعالجة لا تكون فقط بحملات التفتيش، بل بخطة وطنية شاملة وواضحة”.
هل تنجح خطة الوزارة؟
بحسب حيدر، تُواصل وزارة العمل تنفيذ خطتها بخطواتٍ متقدمةٍ، من خلال تكثيف حملات التفتيش الميدانية، وتشديد الرقابة على المؤسّسات المخالفة، والعمل على إنشاء قاعدة بيانات موحّدة وشاملة لتحديد أعداد العمال الأجانب وتنظيم أوضاعهم القانونية، معتبرًا أنّ هذه الإجراءات تمثل نقطة انطلاق حقيقيّة نحو إصلاح سوق العمل. لكنّ نجاح هذه الخطة لا يتوقّف فقط على الوزارة، بل يحتاج إلى إرادة سياسية واضحة، وتعاون فعلي بين مختلف أجهزة الدولة، من أجل حماية اليد العاملة اللبنانية، ووقف النّزف الاجتماعي والاقتصادي الذي يهدّد البنية الإنتاجية للبلد.
على الرغم من الخطوات التي تتخذها وزارة العمل، لا تزال الفجوة واسعة بين التشريعات والتنفيذ، وبين الخطط المكتوبة والواقع الميداني. ومع استمرار التوظيف العشوائي والتوسّع غير المنضبط للعمالة غير اللبنانية، يبقى السؤال مطروحًا: هل تنجح الدولة في إعادة التوازن إلى سوق العمل، وحماية اليد العاملة اللبنانية، أم تبقى الفوضى عنوان المرحلة المقبلة؟.
مواضيع مماثلة للكاتب:
![]() دواء تحت الحصار: مأساة المرضى اللبنانيين بين غياب الدولة والفساد | ![]() الشارع اللبناني ليس آمناً… الكلاب الشاردة تحاصر العاصمة | ![]() الجيش يُطلق خطة تسليم السلاح… واليونيفيل أمام سيناريو التمديد الأخير |