تعميم وزارة الصحة “بلا نفوذ”: مستشفى المقاصد يضع ذوي الاحتياجات الخاصة في الانتظار


خاص 27 تشرين الثانى, 2025

إنّ ما يحتاجه لبنان اليوم ليس مجرد قرارات وزارية تعلن وتصفق لها المنصّات، بل تطبيقاً صارماً لا يتسامح مع التراخي ولا يسمح بأن يتحوّل حق المريض إلى خيار إداري. المطلوب من وزارة الصحة أن تحضر على الأرض، وأن تتحقّق من التزام المستشفيات كافة بتنفيذ القرار، بما فيها مستشفى المقاصد الذي يجب أن يقدّم إيضاحاً واضحاً وشاملاً عن أسباب ما جرى

كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

منذ اللحظة التي أعلن فيها وزير الصحة العامة د. ركان ناصر الدين، تعميمه الأخير، شعر كثيرون بأنّ نافذة أمل فتحت في جدارٍ طالما كان مسدودًا بوجه ذوي الاحتياجات الخاصة. قرار واضح لا لبس فيه، يفرض على المستشفيات الحكومية والخاصة تغطية كلفة استشفاء هذه الفئة بنسبة كاملة وعلى نفقة الوزارة، دون شروط أو استثناءات أو تأجيل. بدا القرار أشبه بتصحيح لمسار مختل طال سنوات، وباستعادة لحق جرى التفريط به طويلًا، مع تأكيد رسمي بأنّ التنفيذ فوري وأنّ الرقابة ستكون حاضرة لضمان عدم حرمان أي مريض من حقه.
لكن ما حدث بعد صدور القرار، بدا وكأنه يسير في اتجاه يناقض روحه. فبينما انتشر التعميم على نطاق واسع وأصبح حديث الناس والإعلام، ظهرت حالات تثبت أنّ بعض المستشفيات تتصرف كما لو أنّ هذا القرار لا يعنيها، أو أنه مجرد خبر مرّ في العنوان ولم يصل إلى غرفها وإداراتها.
وفي خضم هذه الشكاوى، برزت قصتا علي وسمر، كنموذجين يختصران حجم الهوّة بين النص الرسمي والواقع الطبي اليومي.
علي(اسم مستعار)، الشاب الذي يحمل بطاقة إعاقة رسمية، والذي لم يكن يطلب امتيازاً ولا خدمة خاصة، بل تنفيذاً بسيطاً لحق منحه إياه القانون والوزارة على حد سواء. توجّه علي إلى مستشفى المقاصد في بيروت وهو يحدوه الأمل بأنّ معاناته الطويلة اقتربت من نهايتها. حمل ملفه الطبي الدقيق، وبطاقة الإعاقة التي تثبت حالته، ونسخة عن تعميم الوزير الذي انتشر لدرجة يستحيل معها أن يجهله أحد. كان مقتنعاً بأنه سيجد طريقاً مفتوحاً نحو غرفته، نحو علاجه، نحو حقه الطبيعي بالاستشفاء.
غير أنّ ما واجهه لم يكن سوى بابٍ مغلق يخفي وراءه سلسلة أعذار لا تتناسب مع فداحة حاجته. فقد قيل له إنّ التعميم “لم يصل بعد، وإنّ المستشفى لا يغطي في الوقت الحالي مرضى وزارة الصحة من ذوي الاحتياجات الخاصة.
لم يكن وقع هذه الكلمات على علي مجرد خيبة، بل صدمة عميقة. خرج من المستشفى وهو يشعر بأنّ جسده ليس وحده ما يؤلمه، بل شعور ساحق بأنّ حقوقه تُهمل وتُؤجّل وتُختزل في جملة عابرة يلقيها موظف على عجل. كان يسأل نفسه: كيف يصدر قرار رسمي بهذا الوضوح، ومع ذلك يجد مريض مثلي نفسه مضطراً للعودة إلى منزله حاملاً وجعه بدل أن يعود محمّلًا بعلاجه؟
لم يكن علي وحده الذي اصطدم برفض مستشفى المقاصد إجراء عمليته على نفقة الوزارة، فسمر أيضاً (اسم مستعار) لم تكن تسعى إلى معاملة استثنائية، ولا طلبت أكثر من تطبيق قرار رسمي دعّمته بيانات وتصريحات وضمانات واضحة. ومع ذلك، وجدت نفسها في الموقف نفسه: أمام مؤسسة تتصرّف وكأنّ التعميم لا يعنيها، وكأنه لم يُصدر أساسًا لحماية المرضى ورفع الظلم عنهم، بل ليُتلى كخبر عابر في نشرات الأخبار ثم يُطوى في أدراج المستشفيات.
في هذا السياق، قام موقع “هنا لبنان” بنقل شكاوى المواطنين المتضررين إلى وزارة الصحة، موفّرًا جميع المعلومات والملفات المتعلقة بالحادثتين، لتسهيل متابعة الوزارة والتحقق من أسباب رفض المستشفى تنفيذ القرار وضمان حقوق المرضى. وقد تجاوبت الوزارة بشكل فوري مع هذه المبادرة، مؤكدة التزامها بمتابعة كل ملف على حدة، والتحقق من ملابساته الإدارية والفنية، ووعدت باتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان تطبيق التعميم بشكل كامل، ومنع تكرار أي تأخير أو تجاوز من قبل أي مستشفى في المستقبل.
تصرّف كهذا، لا يمكن النظر إليه كمسألة إدارية عابرة. فهو يخرج من حدود الإجراء ليبلغ مستوى الإهمال الأخلاقي، ذلك النوع من الإهمال الذي يجعل المريض مرهوناً بين ما هو معلن وما هو مطبّق، بين ما يصدر عن الدولة وما تقرره المؤسسة، بين الحق المكتوب والواجب المنفّذ. لقد بدا وكأنّ المستشفى تقف خارج روح التعميم، بل خارج واجبها تجاه أبسط معايير الإنسانية، بينما الهدف الأساسي من القرار الوزاري كان رفع الظلم عن فئة لطالما دفعت ثمن ضعف العدالة الصحية.
إنّ ما يحتاجه لبنان اليوم ليس مجرد قرارات وزارية تعلن وتصفق لها المنصّات، بل تطبيقاً صارماً لا يتسامح مع التراخي ولا يسمح بأن يتحوّل حق المريض إلى خيار إداري. المطلوب من وزارة الصحة أن تحضر على الأرض، وأن تتحقّق من التزام المستشفيات كافة بتنفيذ القرار، بما فيها مستشفى المقاصد التي يجب أن تقدّم إيضاحاً واضحاً وشاملاً عن أسباب ما جرى.
فالمرضى ذوو الاحتياجات الخاصة ليسوا ملفات تنتظر توقيعاً أو بريداً داخلياً يصل متأخراً. إنهم بشر، مواطنون كاملون، والقرار لم يكتب لتزيين بيانات الوزارة ولا ليكون خبراً متداولًا على المواقع. صدر ليُنقذ أشخاصاً، ليمنحهم فرصة للعلاج بلا إذلال، وبلا حسابات مالية، وبلا شعور بأنهم عبء على النظام الصحي.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us